وأمّا المثل الطولي فمن نماذجه أيضاً : قوله تعالى : أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ ( الرعد : 17 ) .
فهنا تُحاول هذه الآية الكريمة أن تُقرّب لنا حقيقة من أعظم الحقائق التي سجّلها القرآن الكريم والتي تُمثّل - بحسب فهمنا - المفتاح الرئيسي لفهم تراتبية المخلوقات في السلّم الوجودي القائم على أساس الكمال المُحرز والسبقة الكمالية لا الزمنية ، كما أنّ هذه الآية الكريمة في واقعيتها الطولية تُؤسّس لنا ميزان خلود العلم والعمل ( فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) وفنائهما ( فَيَذْهَبُ جُفَاء ) ، ومنه نفهم أيضاً زمنية الخلود والفناء ، فبقدر مساحة النفع تمتدّ مساحة الخلود وتتقلّص مساحة الفناء ، وبقدر مساحة الزبد تمتدّ مساحة الفناء وتتقلّص مساحة الخلود ، كما أنَّ هذه الآية الكريمة تُؤسّس للاختيار في أصل الخلق وأنه لم يمرّ بمرحلة جبر بالمعنى الاصطلاحي ، وذلك لمكان الضمير في كلمة : ( بِقَدَرِهَا ) ، أي بقدر الأودية لا بقدر الماء ، فالماء هو الفيض الإلهي الذي لا يُتصوّر فيه قدر معيّن .
وبذلك تحصّل لنا من خلال هذا المثل الطولي أنّ الآية الكريمة قد أجملت لنا حقائق ثلاث عظيمة وهي : تراتبية المخلوقات ، وميزان الخلود والفناء للعلم والعمل ، وأصالة الاختيار .
الرمزية والمثل في النص القرآني — صفحة 103
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠٣