فصل
[ في البراءة ]
لو شكّ في وجوب شيء أو حرمته ولم تنهض حجّة عليه ، جاز شرعاً وعقلًا ترك الأوّل وفعل الثاني ، وكان مأموناً من عقوبة مخالفته ، كان عدم نهوض الحجّة لأجل فقدان النصّ ، أو إجماله واحتماله الكراهة أو الاستحباب ، أو تعارضه فيما لم يثبت بينهما ترجيح بناء على التوقّف في مسألة تعارض النصّين فيما لم يكن ترجيح في البين .
وأمّا بناءً على التخيير ، كما هو المشهور ، فلا مجال لأصالة البراءة وغيرها ؛ لمكان وجود الحجّة المعتبرة وهو أحد النصّين فيها كما لا يخفى .
وقد استدلّ على ذلك بالأدلّة الأربعة :
أمّا الكتاب فبآيات أظهرها : قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
.
وفيه : أنّ نفي التعذيب قبل إتمام الحجّة ببعث الرسل لعلّه كان منّة منه تعالى على عباده مع استحقاقهم لذلك ؛ ولو سلّم اعتراف الخصم بالملازمة بين الاستحقاق والفعلية لما صحّ الاستدلال بها إلّاجدلًا ، مع وضوح منعه ؛ ضرورة أنّ ما شكّ في وجوبه أو حرمته ليس عنده بأعظم ممّا علم بحكمه ، وليس حال الوعيد بالعذاب فيه إلّاكالوعيد به فيه ، فافهم .