وأخرى : بأنّ الاستدلال بها لما نحن فيه متقوّم بكونها في مقام نفي الاستحقاق ، لا نفي الفعلية ؛ لأنّ النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب المشتبه وعدمه ، لا في فعلية العقاب « 1 » .
هذا ، ويرد على الإشكال الأوّل : أوّلًا : بمنع كونها مربوطة بالأمم السالفة ، بل الظاهر من الآيات المتقدّمة عليها أنّه عند الحساب يقال للإنسان الذي الزم طائره في عنقه :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
« 2 » وترى أنّ الجزاء على ميزان العدل ، من غير أن تزر وازرة وزر أخرى ، ومن غير أن يكون التعذيب بلا تمامية التبليغ وإرسال الرسول وإيصال التكليف ، فلا دلالة فيها على كونها راجعة إلى الأمم . ولا دلالة لقوله :
ما كُنَّا
بصيغة الماضي على ذلك ؛ فإنّ النظر إلى يوم الحساب ، ويعتبر المضي بالنسبة إليه ، ولذا قال :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ
« 3 » مع أنّ زمان صدور الآية لم يكن كذلك إلّابتأويل .
وثانياً : لو سلّم بأنّ موردها نفي تعذيب الأمم السالفة ، لكن يفهم منها - ولو بمناسبة الحكم والموضوع ، وكيفية التعبير - أنّ التعذيب قبل البيان منافٍ لمقامه الشامخ ، وهو منّة ثابتة وسنّة جارية إلى نفخ الصور ، فهل ترى أنّه تعالى رفع العقوبة الدنيوية - من مثل تسليط الوزغة في أيّام معدودة محدودة - منّة على عباده ، ثمّ أخبر بأنّ ذلك ؛ أيهذه التعذيبات اليسيرة ، منافية لمقام رحمته وإفضاله ، ثمّ عذّب العباد قبل البيان بالنار التي تطّلع على الأفئدة وبأنواع
هامش
( 1 ) - الفصول الغروية : 353 / السطر 7 ؛ كفاية الأصول : 385 .
( 2 ) - الإسراء ( 17 ) : 14 .
( 3 ) - الإسراء ( 17 ) : 13 .