شرح
اللّهمَّ إلّاأن يوجّه أنّه أراد تجويز الجلوس بعد عجز المصلّي عن إتيان المجموع من الفاتحة وثلاث آيات ، حيث أنّ أقصر سورة هي سورة الكوثر وتتضمّن ثلاث آيات ، فكأنّه عليه السلام أراد بيان أنّ الذي يجوز له الجلوس ، هو العاجز عن إتيان مجموعهما قائماً ، فدون ذلك يجب عليه القيام ، وتحديد عجزه عنها والقدرة على أداءها منوط بنفس المصلّي ، فهو أعلم بنفسه من غيره ، وعلى هذا مشهور أصحابنا ، واللَّه العالم .
ثمّ لا يخفى عليك أنّ العجز المعتبر هنا ليس بمعنى التعذّر العقلي ، بل يكفي في صدقه حصول المشقّة الشديدة التي لا تتحمّل عادةً ، كما هو المراد نوعاً في غالب التكاليف ، لما ورد في التنزيل من جانب الربّ الجليل ، قوله تعالى : « مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ . . . » « 1 » ، كما جاء في آية أخرى ، وهي قوله تعالى :
« يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ » « 2 » ، فضلًا عن دلالة نصوص كثيرة على رفع التكليف في هذا الباب وغيره من أبواب الفقه المختلفة .
كما أنّه يجوز أيضاً تبديل الحكم والوظيفة من القائم إلى الجالس إذا خاف زيادة المرض أو طول البُرء بالقيام أو الركوع أو السجود ، أمّا إذا كان خوفه مسبّباً من اخبار الطبيب ، فعليه الاعتناء باخباره حتّى ولو لم يكن من أهل الإيمان والإسلام ، لكن بشرط عدم كونه متّهماً بعدم المبالاة في الدِّين ، وإلّا لأشكل حتّى في من كان من أهل الإسلام ، إلّاأن يحصل له الاطمئنان من كلامه فيجوز .
هامش
( 1 ) سورة الحجّ : الآية 78 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 185 .