فبينا نحن عنده إذ سمع بكاء رجل واستغاثته ، فقال لي : يا إبراهيم قم فانظر ما هذا البكاء ، فأتيت الموضع فوقفت فيه فاستقربت البكاء حتى انتهيت إلى رجل حائك ، قد اخذ منه رجل من أصحابنا ممن بايعنا لبدا وهو متعلق به ، فقلت : ما هذا وما شأنك ؟
فقال : اخذ صاحبكم هذا لبدي ، فقلت : أردد عليه لبده ، فقال لي الرجل : إنما خرجنا معكم لنكتسب وننتفع ونأخذ ما نحتاج اليه ، فلم أزل ارفق به حتى اخذت منه اللبد ورددته إلى صاحبه ، ورجعت إلى محمد بن القاسم ، فأخبرته بخبره واني قد انتزعت منه اللبد ورددته على صاحبه ، فقال يا إبراهيم ابمثل هذا ( الذي بايعه ) ينصر دين الله ؟ ثم قال لنا : فرّقوا الناس عنّي حتى أرى رأيي « 1 » .
فأنتخب الجيدين من الذي بايعوه ثم سار بهم ، وهذا أنموذج من طبيعة الثورات الرسالية ، إذ انها لم تكن تبيح اية وسيلة في سبيل الوصول إلى الهدف ، بل مثلما يكون الهدف هو إقامة حكم الله عز وجل ، يجب أن تكون الوسيلة أيضا مرضية من قبل الله تعالى . وهذا كان يربي المجتمع على عشق المثل العليا ، والمبادئ السامية . وبعدما انتقى أصحابه ساروا إلى الطالقان .
ويروي إبراهيم صاحبه : ورحل محمد بن القاسم من وقته إلى الطالقان ، وبينها وبين مرو أربعون فرسخا ، فنزلها وتفرقنا ندعو الناس فاجتمع عليه عالم ، وجئنا اليه ، فقلنا له : ان أتممت على امرك ، وخرجت فنابذت القوم ، رجونا ان ينصرك الله ، فإذا ظفرت اخترت حينئذ من ترضاه من جندك ، وان فعل كما فعلت بمرو ( بقصد اختيار الجيدين فقط ) ، اخذ عبد الله بن طاهر بعقبك ، فأصلح من اسلامك إيانا ونفسك اليه ، ان تجلس في بيتك ، ويسعك ما يسع سائر أهل بيتك ، فأتم عزمه وخرج في الناس . ودخل محمد بن القاسم مع عبد الله بن طاهر في حروب كثيرة وكان يلحق بابن الطاهر شر الهزائم .
هامش
( 1 ) مقاتل الطالبيين / ص 385 .