على المعتصم وكان في مجلس اللهو والشراب وبين يديه الفراغنة يلعبون فلم يزل واقفا والناس ينظرون إليه حتى فرغ الفراغنة من لعبهم .
وقيل : وجعلت الفراغنة يحملون على العامة ويرمونهم بالقذر الميتة والمعتصم
يضحك ، ومحمد بن القاسم يسبح ويستغفر الله ويحرك شفتيه يدعو عليهم ، والمعتصم جالس يشرب ، ومحمد واقف إلى أن انتهى المعتصم من لعبه فأمر بسجن محمد .
وسرعان ما دبّر محمد بن القاسم حيلة ذكية للهروب ، ثم توارى عن الانظار في بغداد ثم إلى واسط ، وقد شد وسطه للوهن الذي أصاب فقار ظهره عند عملية هروبه ، وظل محمد مختفيا بعد ذلك إلى نهاية عهد المعتصم ، ثم محمد الواثق ، ثم قسم من أيام المتوكل ، وقيل إنه اخذ اليه فحمل إلى السجن حتى مات في محبسه .
ولكن ماذا فعل خلال فترة تواريه عن الانظار وهي ليست بالفترة القليلة ؟ هذا ما أجابت عليه الثورات العديدة التي قامت بعد ذلك في عهد المتوكل ، والمستعين وما بعده من الخلفاء التي لم تدع الخليفة يلعب ويلهو براحة .
وفي واسط سكن محمد بيتا يعود إلى أم ابن عمه ، علي ابن الحسن بن علي بن عمر بن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) وكانت عجوزا مقعدة ، فلما نظرت اليه وثبت فرحا وقالت : محمد والله ، فدتك نفسي وأهلي ، الحمد لله على سلامتك ، فقامت على رجلها وما قامت قبل ذلك بسنين .
وقال إبراهيم العودي ، قائد جيوش ابن طاهر يصف محمد :
ما رأيت قط أشد اجتهادا منه ولا اعف ولا أكثر ذكرا لله عز وجل مع شدة نفس ، واجتماع ما ظهر منه جزع ولا انكسار ولا خضوع في الشدائد التي مرت به ، وانهم ما راوه قط مازحا ولا هازلا ولا ضاحكا الا مرة واحدة ، فإنهم لما انحدروا من عقبة حلوان أراد الركوب ، فجاء بعض أصحاب إبراهيم ابن غسان العودي ، فطأطأ له ظهره ، حتى ركب في المحمل على البغل ، فلما استوى على
التاريخ الإسلامي (دروس وعبر) — صفحة 322
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٢٢