إدارة الدولة ، تعتمد أساسا على القواعد غير الاسلامية ، فأنشأ في خراسان ونيسابور وغيرها من المناطق دورا للترجمة ، واخذ يصرف عليها الأموال الطائلة ولقد قام بهذا العمل لاحد سببين .
السبب الأول : ان المأمون العباسي حينما وجد أن الافكار الثورية قد انتشرت في الأمة الاسلامية من أقصاها إلى أقصاها ، لم يجد بدا من الاعتماد على خلفية فكرية معينة يحارب بها تلك الافكار الثورية . هذه الخلفية شكلتها الافكار التي تحملها الكتب المترجمة خصوصا من اللغة الفارسية .
ونتسائل ما هي تلك الكتب التي ترجمت ؟
لو رجعنا إلى فارس لرأينا ان هناك مجموعة من الملوك كانوا يسيطرون على رقاب الناس بينما الناس كانوا مستعبدين محرومين . لكن هؤلاء المستعبدين المحرومين ، لم تكن عندهم أفكار ثورية انما كانوا مشبعين بأفكار استسلامية ، كان ينتجها ويضعها مجموعة من الكتّاب الذين يصرف عليهم الإمبراطور ، الأموال الضخمة ليكتبوا كتبا يدعمون بها سلطانه .
فكانت هذه الكتب تدعو إلى الاستسلام وتقول ( الله في السماء والشاهنشاه في الأرض ) وكذلك تقول ( صلاح مملكت خويش . . خسروان دانند ) وتعني هذه العبارة ان الحكم ، لا يعرف أصوله وطرقه إلّا الكبار ، وكذلك تقول هذه الكتب ان العائلة المالكة ضرورية لاستقرار البلد .
هذه الافكار هي التي استطاعت التغلب على إرادة الجماهير وتخديرها والسيطرة عليها سيطرة كاملة . وقد اطلّع المأمون على تلك الافكار في خراسان التي عاش فيها واتصل ببقايا ممالك فارس ، ووجد في تلك الافكار خير عامل على تثبيت سلطانه .
السبب الثاني : بسبب ما ظهر في البلاد الاسلامية من حركات علمانية ، نتيجة الخيبة التي مُني بها من دخل الاسلام من اتباع الديانات الأخرى ، وهم ينشدون العدالة الاجتماعية والحرية السياسية والرحمة .
التاريخ الإسلامي (دروس وعبر) — صفحة 286
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٦