الرياسة علينا وأنت للرضا معدن الثقة في أنفسنا ، ثم قال لأبي السرايا : ما ترى ؟ أرضيت به ؟ ( أي بمحمد بن محمد بن زيد ) قال : رضائي في رضاك ، وقولي مع قولك ، فجذبوا محمد بن محمد فبايعوه « 1 » .
وهذا يدل على أن الثوار لم يكونوا ينادون بالأهداف والقيم كشعار فقط ، وانما كانوا يعيشونها عملياً .
ترى كيف يبايع علي بن عبيد الله غلاماً حدثاً وهو محمد بن محمد بن زيد وينكر نفسه وهذا شيء نادر لا تعثر عليه الان عند أصحاب الرايات الثورية ، وهم بهذا العمل قد اكدوا وطبقوا قيمة مهمة في القيادة وهي ان الاكفأ هو الذي يجب ان يقود وليس الاسن أو غير ذلك من الاعتبارات .
محمد بن زيد يولي العمال
بعد ان تابع أهل الكوفة محمد بن زيد الشهيد بن زين العابدين ( عليه السلام ) ، قام محمد بأرسال وكلائه على المناطق ، فعقد لإبراهيم بن موسى بن جعفر على اليمن ، وولىّ زيد بن موسى بن جعفر الأهواز ، وولّى العباس بن محمد بن عيسى البصرة ، وولّى الحسن بن الحسن الأفطس مكة .
وعقد لجعفر بن محمد بن زيد ، والحسين بن إبراهيم بن الحسن ، واسطاً ، فخرجوا إلى اعمالهم ، واقام ابن الأفطس الحج تلك السنة وهي سنة مئة وتسع وتسعون .
وكتب إليه أهل الشام والجزيرة انهم ينتظرون ان يوجه إليهم رسولا ليسمعوا له ويطيعوا .
وعظم امر الثورة على الحسن بن سهل وبلغ منه كل مبلغ حتى كتب إلى هرثمة لكي يقود جيوش بني العباس للقضاء على الثورة ، وكان هرثمة على خلاف مع الحسن بن سهل ، ولكنه اضطر إلى ذلك « 2 » .
هامش
( 1 ) المصدر / ص 350 .
( 2 ) جاء في الطبري ج 10 ص 228 " فلما رأى الحسن بن سهل ان ابا السرايا ومن معه لا يلقون عسكرا الا هزموه ، ولا يتوجهون إلى بلد الا دخلوها ولم يجد معه من القواد من يكفيه حربه ، اضطر إلى هرثمة ، وكان هرثمة حين قدم عليه الحسن بن سهل واليا عليها من قبل المأمون ، سلّم له ما كان بيده بها من الاعمال ، وتوجه نحو خراسان مغاضبا للحسن " .
ويقول أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين / ص 357 : " امر الحسن بن سهل بدواوين الجيش فنقلت اليه ( الهرثمة ) ليختار الرجال منها وينتخبهم ، وأطلق له بيوت الأموال ، فانتخب من أراد ، وأزاح العلة في العطيات والنفقات " .
كل ذلك يدل على عظم الخطر الذي شكلته ثورة أبي السرايا على الدولة العباسية ، وهذا ما دفع المأمون إلى تقريب الإمام علي بن موسى الرضا اليه وعهده بولاية الأمر اليه ، املًا منه في سحب البساط من تحت أرجل الحركة الرسالية التي انتشرت في عهده في كل مكان .
ويضيف الاصفهاني : " وقد نظر في الدواوين فوجد من قتل من أصحاب السلطان في وقائع أبي السرايا مائتا الف رجل " ( مقاتل الطالبيين / ص 366 ) .