تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ الإسلامي (دروس وعبر) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
كان يمضي لياليه بالتبتل والتضرع ، وكان يختم القرآن في كل ليلة ، ويروى عنه كذلك انه صلّى عشر سنوات صلاة الصبح بوضوء العشاء ، وفي الوقت نفسه كان حاكما من قبل الإمام علي ( عليه السلام ) على مقاطعة خراسان والتي كانت تشمل في ذلك اليوم كل من إيران وأفغانستان وقسما من الاتحاد السوفيتي ، فهو لم يكن منقطعا عن الدنيا ، وانما كان كادحا وعاملا طوال النهار ، وقائما في المحراب ليلا ، هذا الرجل ليس الأوحد من بين أصحاب الإمام علي ( عليه السلام ) ان هناك من هم أمثاله ، كعمار ، وميثم ، وقمبر ، وحجر بن عدي ، وضرير . الامام الذي يربي في الكوفة اشخاصا يسهرون الليل تبتلا ويصلون صلاة الصبح بوضوء صلاة العشاء وفي النهار يقودون الناس ، في السلم والحرب ، انه لابد ان يربي مجموعات أخرى على درجات أقل ، بمعنى إذا كان قد كوّن عشرات من الصنف الأول ، فمئات من الذين يسهرون نصف الليل ، وآلاف من الذين يصلون الصلوات ويقرأون القرآن بشكل جيد ، ومليون انسان من النموذج الذي يؤمن بالله ايمانا عميقا ، ويستعد للتضحية في سبيل الله ، وبالتالي فهو يكوّن امواجا متلاحقة داخل الأمة الاسلامية موجة تتبع موجة وكل موجة أكبر من السابقة . وهكذا كان الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) الذي عاش في فترة كانت الأمة الاسلامية قد وصلت يومذاك إلى قمة مجدها المادي ، وكانت الأموال تجبى إلى العاصمة من كل مكان حتى أن الرشيد كان يستلقي على ظهره وينظر إلى السحابة المارة ويقول : " شرِّقي وغرِّبي فخراجك اليّ " . وكان الحكام والأغنياء ، يملكون الضياع والأموال والعبيد والجواري بلا حساب ، ويتمتعون بحياة مرفهة ، ويمارسون البذخ والاسراف العجيب . فما هي وظيفة الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) في هذا الوضع ؟ هل ان وظيفته تنحصر في اسقاط هارون الرشيد ، باعتبار ان هارون الرشيد هو رأس الدولة الفاسد ، وقد امتد فساده إلى جسم الأمة ايضاً ؟