ومع ذلك فان الحياة من بعد الطوفان ظلت كما كانت قبله تدور حول ذات السنن الإلهية ، وابرز هذه السنن سنة الابتلاء ، ومنح الاختيار للبشر في جو من الحرية ، والقدرة على الاختيار .
وهكذا فان حوادث الزمن هي كتيار النهر ، فأنت أيها الانسان تستطيع ان تقف في لحظة تأريخية قائلا : من الان سأغير تيار الزمن ، ومادمت قائما على امرك ، وعازما على أن تصنع شيئا فإنك ستستطيع حتما ، لان الله - جل وعلا - وهب لك المشيئة كما يقول القرآن الكريم : وَمَا تَشَآؤُونَ إِلآَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ ( الانسان / 30 ) ، ثم جعل الحياة مسخرة لهذه المشيئة ، كما يشير إلى ذلك الحديث الشريف :
" خلق المشيئة ثم خلق الأشياء بالمشيئة "
الإرادة هي الجوهرة الأعظم :
وقد سخر - تعالى - للانسان بالإضافة إلى الأرض التي يعيش عليها كل ما في السماء من اجرام : وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِامْرِهِ ( النحل / 12 ) ، وأودع فيه جوهرة هي الأعظم في الكون الا وهي جوهرة المشيئة ؛ اي الإرادة ، وحرية الاختيار ، وجعل العقل مسيطرا عليها ، وموجها لها كما يقول - تعالى - :
وَمَا تَشَآؤُونَ إِلآَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ
وهكذا فإنك أيها الانسان قادر على صنع ما تشاء إذا كانت مشيئتك حقيقية وجادة ، فالحياة تبقى جديدة لمن أراد ان يعيشها ، وعلى سبيل المثال فان اليهود ظلوا طوال أربعة آلاف عام ينتحبون ويرثون أنفسهم ويقولون : لقد انتهينا ، فقد ظلمنا وقتلنا وشردنا واضطهدنا . . . . حتى جاء هرتزل وقال : من الان نبدأ لنصنع دولة . فقيل له : لقد مر علينا أربعة آلاف عام ، ولم نستطع ان نبني لأنفسنا كيانا ! فقال : هناك آية في