ان هذا المجتمع المثالي لا يمكننا ان نفهمه الا إذا قارناه مع بعض المجتمعات الأخرى ، لقد كان هذا المجتمع قبل ان يشع نور الاسلام فيه مجتمعا جاهليا متوغلا في الفساد والجريمة والاختلاف إلى درجة إغارة بعضهم على بعض ، ولكن هذا المجتمع نفسه تحول خلال بضع سنوات إلى تجمع متآلف متحاب . فأهل المدينة كانوا يستقبلون المهاجرين من أهل مكة ، هؤلاء المهاجرين الذين كانوا يمثلون مجموعة أناس طردوا من ارضهم بسبب سيطرة الطغاة على مكة ، ثم توجهوا إلى المدينة المنورة وهم لا يملكون شيئا لأنهم تركوا بيوتهم ، وأموالهم يبتغون فضل الله ورضوانه ، ونصرته - تعالى - ونصرة رسوله .
ان هذه الاخلاق الاسلامية الرفيعة جعلت المسلمين قادرين على تصدير ثورتهم إلى الآفاق ، هذه الاخلاق الحسنة مكنت الأمة الاسلامية من الانتشار والتوسع بشكل سريع لان المحبة ، والتعاون ، والتآلف كل ذلك كان سببا لدخول الشعوب المحرومة والمستضعفة في الدين الاسلامي أفواجا ، فلقد تفجرت طاقاتها ، وتفاعلت مع هذه الأمة لتنشر نور الاسلام في كل مكان .
وإذا ما سادت هذه الروح أوساط أمة ما فاعلم أن الله سبحانه وتعالى سوف يؤيدها وينصرها ، اما إذا رأينا الحقد ، وسوء الظن ، والتنابز بالألقاب وسائر الصفات السلبية هي السائدة فعلينا ان لانتوقع ان الله - تعالى - سينصر هذه الأمة ، فهو - عز وجل - لا ينصر الا من ينصره ، وينصر دينه ، والاخلاق الحسنة التي امر بها - تعالى - .
ونحن لو تأملنا تأريخ الأئمة ( عليهم السلام ) لرأينا ان أحد أهدافهم الرئيسية كان متمثلا في اصلاح المجتمع خلقيا وعقائديا من الجذور ، فلم يكن اصلاحا سطحيا ، فمنذ اليوم الأول كان دورهم ( عليهم السلام ) متمثلا في ضخ روح الاسلام والايمان في جسد هذه الأمة ، وقد كانوا ( عليهم السلام ) يمثلون القمة في الاخلاق الرفيعة السامية ، والعطاء ، والاصلاح ، وبهذه الاخلاق استطاعوا ان يحفظوا هذه الأمة .
النهج الإسلامي (تأملات في مسيرة الحركة الإسلامية) — صفحة 188
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٨