شروط موضوعية أخرى :
ومن الشروط الموضوعية الأخرى لقيادة الجماهير ان تقودهم على شكل مراحل بحيث لا تقول في البدء كلاما يتعب أذهانهم ، أو ان تحملهم أكثر من مستوى وعيهم النضالي ، ومن الشروط الموضوعية الأخرى ان تتعلم من الجماهير قبل ان تعلمهم ، فالجماهير هي بحر زاخر من المعلومات والتجارب ، ولكنهم ولأسباب قد تكون وجيهة لايطرحون معلوماتهم أو تجاربهم مباشرة بل قد ترد على ألسنتهم كناية ، أو يشيرون إليها في امثلتهم .
وعلى هذا فان من المشاكل الرئيسية في بلادنا ان لغة المثقفين هي فوق مستوى لغة عامة الناس ، ولذلك فان من يتثقف ينفصل عادة عن الجماهير ثقافيا ولغويا بل وحتى بيولوجيا ، فنراه يتكلم بموضوع يهم الجماهير ولكن بلغة أخرى لاتفهمها هذه الجماهير ، فلا يصغي اليه أحد .
ولذلك نرى ان الذين يخاطبون الجماهير ، ويتحدثون عنهم كثيرون ولكن بغير لغتهم ، ومن هنا اقتضت حكمة الله - عز وجل - ان يبعث الرسل من المجتمعات التي ينتمون إليها لكي يكونوا عارفين بلغتهم ، وعاداتهم الاجتماعية ، كما يشير إلى ذلك - تعالى - في قوله :
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ( إبراهيم / 4 ) .
وكما يشير إلى ذلك أيضا الحديث الشريف المروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
" نحن معاشر الأنبياء أمرنا ان لا نكلم الناس إلّا بقدر عقولهم "
. وهكذا فان علينا ان نتكلم مع الناس بقدر عقولهم ومداركهم ، وبذات اللغة التي يتحدثون بها ، فنحن لا نستطيع ان نستوعب تجارب الناس ومعلوماتهم إلّا إذا عرفنا لغتهم ، فعلينا ان نستغل تجارب الناس ، وان لانتعالى عليهم ، لأنهم يرفضون من يتعالى عليهم ، وعلى العكس من ذلك فإنهم إذا رأونا فيهم ، ومنهم ، ومعهم ، فحينئذ