وعندما أشرق الإسلام في سماء هذه الدنيا لم يعمل على تقليص وتحديد ظاهرة الاستعباد والاسترقاق فحسب ، بل راحيرفع من قيمة العبيد في بعض الأحيان حتى أن قيمة العبيد كانت تفوق قيمة الأحرار في بعض الموارد الفقهية ، فالمعروففي الفقه - مثلًا - أن المرأة الحرّة لا تحل لزوجها إذا ما طلقت ثلاثاً حتى تنكح زوجاً آخر بصريح الآية الكريمة : ( فإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) ( البقرة / 230 ) ، أما بالنسبة إلى الأمة فإن الطلاقمرتان ، وبذلك نجد أن حكم هذه الأمة أهم ، ونفعها أعظم ، وحقها أكبر من حق الحرة .
الحكمة من استمرار الرق
ويبقى السؤال : لماذا الرق ، وما الحكمة من استمراره في الإسلام ؟ يجرّنا هذا إلى التفكير بالحرب ، والقوة ، وأبعاد هذهالقوة عبر التاريخ ، وبدافع هذا التفكير ننتبه إلى حقيقة مرّة ، وهي أن العبودية قد ألغيت في ظاهر الأمر في عالم اليوم كماتنصّ على ذلك وثيقة الأمم المتحدة بهذا الصدد ، ولعل بدايات هذا الإلغاء كانت على يد الزعيم الأمريكي ( ابراهام لنكولن ) ، ولكن واقع الأمر أن هذا الاسترقاق قد انتقل من الطور الفردي إلى الطور الجماعي ، فبدلًا من أن يعمد الاستعمار إلى استرقاق الأفراد مضى يسترق الشعوب ، حتى غدت شعوب الأرض مستعبدة منقبل دولة واحدة تفرض حكمها ورأيها على الجميع .
الرق الجديد
وأنا أذكر في هذا المجال أن هناك وثيقة صدرت عن البنتاغون تتحدث عن النفوذ الأمريكي ومصيره بعد فترة ما بعدالحرب الباردة ، وسقوط الشرق ، وكان عنوان هذه الوثيقة على شكل استفهام يقول : كيف تحافظ أميركا على مركز القوةالعظمى في العالم كله ؟ ! وتتألف هذه الوثيقة من خمس وأربعين صفحة ، خلاصتها أن أميركا لابد من أن تحافظ على قوتهاوجبروتها كي تبقى شرطيّ العالم كلّه ، وتتحكم بمصائر ومقدرات شعوبه وبلدانه ، ولا تسمح لأية دولة - مهما كانت وفيأي منطقة من
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 156
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥٦