تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
المصطفى . وهي العملية التي لم يتمكن أي قائدعلى مرّ التأريخ من تنفيذها بين أتباعه ، فضلًا عن مستوى نجاحها المنقطع النظير ، فلقد كان الأنصاري يحرم نفسه من‌الطعام الذي قد لا يكون يملك سواه لإشباع أخيه المهاجر . وبهذه الأخلاق الحسنة والمصداقية الفائقة كان لهم أن‌يوصفوا بقول اللَّه تعالى : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُم‌ُالْمُفْلِحُونَ ) ( الحشر / 9 ) . فالفلاح في الدنيا رهين بممارسة هذه الأخلاقيات والاتصاف بهذه الصفات المثلى . والأرقى من ذلك أن الأنصار قد بنوا أساساً متيناً من النجاح لأجيالهم القادمين ، حتى أنها - الأجيال - لم تكن تذكرأسلافها إلّا بما هو خير ( وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَابِالإِيمَان ) ( الحشر / 10 ) على العكس مما عليه نحن المسلمين في هذا الزمن ، حيث ندفع في مرحلتنا الراهنةالغالي والنفيس ثمناً لتراجع وانهيار وهزيمة رجال المرحلة السابقة لمرحلتنا . أما القرآن الكريم فإنه يريد منا - كمسلمين - أن نصنع التأريخ ونصوّره كوحدة واحدة متكاملة مضمونها الخيروالصلاح والتقدم نحو الأفضل ، على الضد من تلكم الصورة التي تلعن فيها الأمةُ الأمةَ التي سبقتها . فالإيمان إذاً هو تربية الذات والارتقاء بالمجتمع وصناعة التأريخ . أما النفاق ؛ فهو ما امتاز أتباعه بالفرقة والتشرذم‌والفرار من الحقيقة . يقول ربنا تبارك وتعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَروا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ اخْرِجْتُم‌ْلَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ( الحشر / 11 ) . ومن خلال هذا الاستعراض الرائع ؛ يبين اللَّه تعالى حقيقة النفاق والمنافقين ، فبنيتهم قائمة على التشرذم والكذب‌والغدر ، تبعاً إلى أنهم يفتقرون بشكل مطلق إلى أساس يرتكزون عليه . وعلى ضوء ذلك ؛ فإن أي إنسان يفتقر إلىقاعدة تربوية صالحة وتنعدم فيه سلوكيات الإيمان محكوم بانتمائه إلى جبهة النفاق والمنافقين ؛ وإن كان كثيراً ما يرفع‌عقيرته ويدعي الإسلام والإيمان . وبعد ذلك ؛ فلا عجب أن يحل بأمتنا ما حلّ بها من ويلات وهزائم ، إذ الواقع المسيطرعليها - إلى نسبة كبيرة - هو واقع النفاق وصفاته والابتعاد عن الإيمان وصفاته المسلّم بها قرآنياً .