( الفرقان / 67 ) . فلا إفراط ولا تفريط ولكننا إذا نظرنا إلى طريقة تعاملنا الاقتصادي في حياتنالوجدنا أن حياتنا بعيدة كل البعد عمّا اختطّه الإسلام ، وأراده القرآن لنا ، فهي حياة تبذير وإسراف ، إذ أن حياةالاقتصاد والإنفاق المعتدل تعني - على سبل المثال - أن لو كان مرتبك الشهري خمسين دولاراً فإن عليك أن تنفقخمسة وعشرين دولاراً منه لاحتياجاتك ، وتهب عشر دولارات منه للفقراء والمساكين ، وتدّخر الباقي ليوم الحاجة ، أما إذا أخذت مرتبك وأنفقته بأكمله ، واستقرضت بالإضافة إلى ذلك مبلغاً آخر ولم يكن ذلك من أجل الإنفاق فيسبيل اللَّه ، وإنما في سبيل الاستهلاك ، فحينئذ ستكون حياتك حياة إسراف وتبذير .
وللأسف فإننا - بصورة عامة - مستهلكون أكثر منا منتجون ، في حين أن القرآن يأمرنا أن نعطي أكثر مما نأخذ ، وأنننتج أكثر مما نستهلك ، كما تشعر بذلك الآية التي تقول : ( وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاًوَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الُمحْسِنِينَ ) ( الأعراف / 56 ) . فحياتنا العملية قائمة على أساس الإسرافوالتبذير ، ولعل طريقة تعاملنا مع الماء الذي نتوضأ به ، والطعام الذي نأكله ، والملابس التي نرتديها ، وسائر الأدواتوالأمتعة التي نقتنيها ونستعملها ، ليست طريقة إصلاح ؛ بل هي طريقة إفساد . وبمعنى آخر ؛ فإن حياتنا استهلاكية رغمإننا ندّعي بأننا دعاة إلى اللَّه سبحانه ، وأدلاء إلى سبيله ، ومبلّغون لرسالاته ، فما بالك بالأشخاص العاديين !
أهمية معرفة لغة القرآن
إننا نحمل اليوم رسالات أنبياء اللَّه على عواتقنا ، وما علينا سوى أن نصوغ شخصياتنا بهذه الرسالات المقدسة قبل أننصوغ شخصيات الآخرين بها ، وأهم أمر في صياغة أنفسنا أن نبدأ من تعرّفنا على لغة القرآن العميقة ، وكيفية تطبيقهاعلى أنفسنا ؛ فعندما تخاطبنا آيات الذكر تذكّرنا بأن أي عمل يقوم به الإنسان يُجزَ به ، وإن كان مثقال ذرة : ( وَمَنيَعْمَل مِثْقالَ ذَرَّة خَيراً يَره ، ومَن يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَّة شَراً يَرَه ) ( الزلزلة / 8 - 7 ) .
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 116
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٦