أمام هذا المجتمع مستقيمةواضحة يعرفها الجميع ، ويتواصون بها .
هذه هي الميزات الثلاث في المجتمع الرساليّ ، وهي - كما أتصوّر - ملازمة لكلّ مجتمع حين تقدّمه ، ونهوضه ؛ فلا تستطيعأيّ حضارة أن تنمو ، وتتقدّم إلّا بها ، وفي حالة انعدامها ( أي انعدام هذه المزايا ) فانّ مصير هذه الحضارات سيؤول إلى الدمار والانقراض .
وقبل أن تدمّر هذه الحضارات يبعث إليها الرسل والأنبياء والمصلحون ؛ أي عندما تجنح تلك المجتمعات نحو الانحدارليوقفوا هذا التدهور والهبوط سواء نجحوا في هذه المهمّة أم لم ينجحوا فيها . ولذلك فانّ القرآن الكريم يركّز على هذهالمراحل الزمنيّة الهامّة والخطيرة ، ويطلب منّا أن نعتبر بها . فالقرآن الكريم عندما يتحدّث عن مجتمع قوم نوح فانّه لايحدّثنا عن مرحلة تقدّم هذا المجتمع ، بل عن مرحلة تدهوره وطغيانه ، وهكذا الحال بالنسبة إلى قوم لوط ، وعاد ، وثمود ، ومدين . . .
حضارة سادت ثمّ بادت
سنتحدّث عن مجتمع مدين الذي يقول عنه القرآن الكريم : ( وإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ) ( الأعراف / 85 ) . وكانت الكلمة الأولى التي وجّهها هذا النبيّ إلى قومه أن قال لهم : ( يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍغَيْرُهُ ) ( الأعراف / 85 ) . وهذه الكلمة تعني إزالة القيم الاسطوريّة الجاهليّة المتخلّفة ، واستبدالها بقيمة واحدةهي قيمة ( عبادة اللَّه ) ، والاتّصال به وحده . فنحن عندما نعبد اللَّه تعالى فانّنا سوف نعزف عن عبادة القيمالأخرى من مثل الشرف القبليّ ، والعنصريّة ، والأرض ، والدم ، والقومية . . من المفترض بنا أن ننبذ هذه الأساطير والأصنام والأسماء والخرافات ، لنعبد اللَّه وحده .
ونلاحظ هنا أن شعيباًعليه السلام يذكّر قومه بالميزة الأولى التي تحدّثنا عنها كواحدة من مزايا مجتمع الرسولصلى الله عليه وآله وسلم ، وقد كانالأنبياء جميعاً يبدؤون دعوتهم بهذه الكلمة التي هي الأساس لتغيير القيم الجاهليّة . كما كان الأنبياءعليهم السلام يستهدفون أوّلًا وقبل
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 103
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٣