فالخطاب في الآيات القرآنية موجّه كما هو واضح إلى المجتمع ككلّ كما نلاحظ ذلك في صيغة الجمع المستعملة في الآية الأُولى : ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنينَ ) . ثم يؤكد الله تعالى قائلًا : ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ في شَيْءٍ إِلّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ) . فالخطاب إذن موجّه إلى المجموع ، وإلى المؤمنين كأُمّة ، وكتجمّع حسب مراحل تصاعدهم .
ولكنّنا سرعان ما نجد السياق القرآني ينتقل من هذا الأسلوب في الخطاب إلى أسلوب آخر ، فيقول الله تعالى : ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعيدًا ) .
وعلى هذا فإنّ كلّ نفس مسؤولة ، وإن هناك رابطة مباشرة بين الإنسان وبين ربّه . فالله جلّ وعلا سيحاسبنا كأفراد على أعمالنا : ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ) . فالحساب لا يمكن أن يجري عبر التجمّع ، فهو سبحانه لا يحاسب المجموعة عن الفرد من غير أن يحاسب الفرد ، بل إنّه في البدء يحاسب الفرد بشكل مباشر .
ثم يعود السياق الكريم ليبيّن لنا أنّ الحساب الفرديّ لا يعني أن يكون العمل فرديّاً بعيداً عن التجمّع ، والتنظيم ، والتعاون البنّاء ، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك قائلًا : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ) .
وبذلك يمكننا أن نفكّ اللغز المطروح الآن وهو : هل القرآن الكريم يخاطب المجموع أم الأفراد ، وهل يهتمّ
الإنسان وآفاق المسؤولية — صفحة 114
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٤