الله رهن إرادته ، فكان له أن يصوغ من ذاته معدناً طيباً نقياً ثابتاً جديراً بأن يفتح الله له أبواب الحياة الحقيقية في الدنيا والآخرة . وقد قال تبارك اسمه في آية قرآية كريمة : ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) ( آل عمران / 179 ) أي أن حكمته العظيمة وإرادته الجبارة شاءت أن يكون ابن آدم حرّاً مختاراً في انتخاب الحياة والمعدن ، رغم الصورة والواقع الأوليين اللذين يولد عليهما وفيهما .
قصة تأريخية حكيمة
نقرأ في قصة النبي نوح عليه السلام مع ابنه الذي أبى الاستماع إلى قول الحق والركوب في السفينة ، نقرأ أن الله سبحانه وتعالى قد حكم على هذا الولد الكافر العاق بالهلاك نظراً لما صدر منه من موقفٍ معاند في أخريات حياته وفي تلك الساعات الحاسمة ، وهو الموقف الذي كشف عن حقيقة معدنه ، رغم كون أبيه من الأنبياء وأولي العزم ، إلّا أن عمله غير الصالح حوّله إلى لعنة تاريخية ، لأنه كان بإمكانه اختيار طريق الفلاح والنجاة من الغرق في الدنيا والعذاب الأبدي في الآخرة .
ومن خلال شيء من التفكير في قوله تبارك وتعالى : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ( التين / 4 - 6 ) نعرف إن عملية الخلق خاصة بإرادة الله وحدها . ولكن الاستفادة من نعمة الخلق هذه بوسيلة الإيمان والعمل الصالح رهن بإرادة الإنسان ، فهو حينما يخلق ، يخلق بفطرة نقية طيبة مثالية ، ثم إن طبيعته تبدأ في المسير في طريقين ؛ الأول هو طريق التسامي والتكامل ، وهو الطريق
الإبتلاء مدرسة الإستقامة — صفحة 86
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٦