تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإبتلاء مدرسة الإستقامة — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
كيف تعامل الأئمة مع المآسي ؟ ونحن نستطيع أن نلمس بشكل مباشر هذ الحقيقة في واقعة الطف ، التي لا يشك أحد في أنها كانت أعمق أثراً ، وأوسع نطاقاً من أي مصيبة أخرى . ففي صلب أجواء هذه المصيبة كانت للإمام الحسين عليه السلام كلمات وخطب تتفجر منها الحكمة ، وتفيض منها الروح الايمانية الصلبة ، والنور الإلهي البهي . فكلماته عليه السلام التي انطلقت من صميم واقع المصيبة كانت تعبر عن العمق الإيماني ، والروح الوثابة في جبهة الإمام الحسين عليه السلام . وهكذا الحال بالنسبة إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ؛ ففي اللحظات الأخيرة من حياته وهو يعاني من ألم السم القاتل الذي دسه إليه معاوية ، دخل عليه جنادة طالباً منه أن يوصيه ، فيبادر الإمام إلى تقديم وصيته له قائلًا : " . . . واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً ، وإذا أردت عزاً بلا عشيرة ، وهيبة بلا سلطان ، فأخرج من ذلِّ معصية الله إلى عزِّ طاعة الله عز وجل ، . . . " . « 1 » ولا ريب إن هذه الوصايا لم تكن مجرد كلمات عابرة يطلقها إنسان يحتضر ، ويكاد جسده يتفجر من الألم ، بل هي كلمات تفيض حكمة ورشداً وروحاًإيمانية . . وفي ذلك دلالة كبرى على مدى استيعاب الإمام عليه السلام لحكمة الحياة ، فقد استطاع بشخصيته العظيمة أن يتجاوز حدود المأساة .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 44 ، ص 139 .