فالأمة التي تملك هذه القيمة ، ويعرف أبناؤها أنّ هناك ما هو أغلى من الحياة والعيش لبضعة سنوات يبقى فيها المرء صاغراً ، هذه الأمة تبقى ولا تنهار . إن هذه القيمة الإنسانية الراقية عبّر عنها أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بقوله مخاطباً أصحابه : " فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين " ، « 1 » أي أن مصداقية حياة الإنسان لا تتحقق إلّا بكونه منتصراً ، وأن الموت يهيمن على الإنسان بكل ثقله ما دام مقهوراً منهزماً وإن حلا له تصور كونه حياً . . .
لقد عاشت وتعيش أمتنا المسلمة منذ ما يزيد على ألف وأربع مائة سنة متحدية للزمن الصعب ، حيث مرت بها حوادث كانت الواحدة منها حرّية بتدمير أي أمة من الأمم الأخرى ، ولكن الأمة الإسلامية قاومت وتصدت بفضل ما تملك من نظم دفاع ووقاية . فهل تعرف أن الحروب الصليبية قد استمرت حوالي مائتي عام ؛ أي ستة أجيال كاملة ، وأن بعض تلكم الحملات كانت تضم ما يزيد على المليون مقاتل صليبي تجمعوا للاستيلاء على الشرق وبالذات على بقعة صغيرة منه هي بلاد الشام أو فلسطين ؟ وهل تعرف أن الحملات التترية على المسلمين قد أبادت مدناً بأكملها ؟ ولكن الأمة الإسلامية ظلت مقاومة صامدة بفضل تعاليم القرآن ، وبفضل الملاحم التاريخية الفذة التي سجلها المسلمون بأحرف من نور ، وبفضل القيم التي كرّسها المؤمنون خلال مواقفهم البطولية في الصدر الأول للإسلام ، وبفضل ما غرسته ثورة الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء في نفوس المسلمين من قيم وتعاليم وبصائر .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 51 .