عليه السلام لو كان يمتلك ألف ابن مثل عليّ الأكبر وكان عليه ان يضحّي بهم في لحظة واحدة لما تردّد في فعل ذلك لأنه جرّد نفسه عن أهوائه ، رغم انه عليه السلام كان يحب عليّ الأكبر حباً لا حدّ له ، حباً لا يمكن ان يضمره أي ابٍ لابنه ، لأن علياً الأكبر كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله خَلقاً وخُلقاً ، ومع ذلك فان حب الحسين عليه السلام لله تعالى كان اشدّ كما يقول سبحانه : ( وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبَّاً لِلَّهِ ) ( البقرة / 165 ) .
ونحن إذا رأينا اليوم انّ الناس يقدّرون أبا عبد الله ، وإذا رأيناهم يحملون إلينا في كل شهر محرم موسماً جديداً وميموناً من ذكراه عليه السلام فلأن ثورته كانت ثورة ربانية ، ولأنه كان اباً للأحرار ، وثائراً من أجل الدين ، وكان يريد إقامة حكم الله في الأرض ، ومع كل ذلك فان هذه المزايا تعّد أموراً ثانوية . فالإمام الحسين عليه السلام عندما وقف في عرفة وقرأ ذلك الدعاء الخالد الذي هو بحق كنز من كنوز الرحمة ، وموسوعة توحيدية كبرى ، فإنه قد جسّد فقرات هذا الدعاء في كربلاء . فهو عندما قال وهو متوجّه إلى الله جل جلاله : " إلهي ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك " « 1 » ؟ فإنه كان يرى أن كل شيء في الوجود ، وكل القيم متمثلة في حب الله ومعرفته ، وقد جسّد عليه السلام كل ذلك في كربلاء كلما كان يفقد عزيزاً ، أو ابناً ، أو اخاً من أعزّ الاخوان عليه .
فعلى سبيل المثال فان أبناء واخوان وأصحاب الإمام الحسين عليه السلام الذين ضرّجوا بدمائهم في كربلاء كان كل واحد منهم يمثل نجماً في أفق التوحيد ، فقد كان بعض أصحاب الإمام الحسين عليه السلام أصحاباً للنبي
هامش
( 1 ) مفاتيح الجنان ، دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة ، ص 273 .