إليهم . ( 36 )
قدوم الشيخ الطوسي إلى بغداد
في مثل تلك الظروف ورد بغداد الشيخ الطوسي الطالب الشاب البالغ من
العمر 23 عاما ، وهو على استعداد تام للتقدم العلمي والاستفادة من الدروس العالية ، ورد
بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية البالغة حين ذاك أوجها الثقافي . والحافلة بآلاف من
العلماء في جميع الفنون ومن جميع المذاهب الإسلامية . ومنذ وصوله لفت أنظار الشيوخ
والأساتذة إليه ويتبين لدينا من ملاحظة مشايخ الطوسي في الحديث والرواية وقسم من
تأليفاته ، أنه استفاد في السنين الأولى من إقامته ببغداد أقصى ما يمكن استفادته من
الفرص التي كانت متوفرة له حين ذاك . وهذا واضح من خلال استقراء رواياته في كتب
الحديث ، وفي كتابه " الفهرست " مع تصريح كبار العلماء والمترجمين له ، ومن جملتهم شيخنا
الأكبر العلامة الطهراني في مقدمة التبيان ( 37 ) ، والعلامة المتتبع السيد محمد صادق آل
بحر العلوم ، في مقدمة فهرس الطوسي ( 38 ) ، حيث يتحصل لدين أن القسم الأكبر من نقوله
ورواياته إنما هما عن خمسة أشخاص أدركهم الشيخ الطوسي في أواخر أيامهم ، ولم
يلازمهم مدة طويلة ، ومع ذلك فقد أخذ علومهم وسمع جميع رواياتهم في تلك الفرصة
العابرة والمدة القصيرة .
فمن جملة هؤلاء الخمسة بل المقدم عليهم الشيخ المفيد حيث أدرك الشيخ الطوسي
خمس سنوات من آخر أيام " المفيد " فقط ، في حال أن المفيد هو العمدة في منقولات الشيخ
تقريبا . وقد ذكر الطوسي في ترجمة المفيد بعد سرد مؤلفاته قوله : " سمعنا منه هذه الكتب
بعضها قراءة عليه وبعضها يقرأ عليه غير مرة وهو يسمع " ( 39 ) فظاهر هذا الكلام يدلنا على
أنه أخذ منه جميع تلك الكتب ، ودرسها على أستاذه بطريقة السماع أو القراءة ، وبعضها
بشكل مكرر . في مدة لا تتجاوز خمسة أعوام . مع أنه في نفس الوقت حسب ما ستعرف
ألف قسما كبيرا من كتاب " تهذيب الأحكام " .
والثاني من الخمسة هو الحسين بن عبيد الله الغضائري المتوفى عام 411 ه ، أي
هامش
( 36 ) - روضات الجنات ص 383 .
( 37 ) - مقدمة التبيان ص أح .
( 38 ) - مقدمة الفهرست ص 11 و 18
( 39 ) - فهرست الطوسي ص 126 .