ولم يبقَ أمامه إلَّا الإمام الرضا عليه السلام الذي تم اغتياله بعد ذلك بأيام قلائل . أَوَلَا يدل قرب وفاته عليه السلام وقتل الفضل على وجود مؤامرةٍ قذرةٍ ضده .
هكذا يتأكد لنا ما يذهب إليه المشهور من العلماء الشيعة من أن الإمام استشهد بسم المأمون حسبما يرى العلَّامة المجلسي في قوله : « الأشهر بيننا أنه عليه السلام مضى شهيداً بسم المأمون » . ويضيف : « وينسب إلى السيد علي بن طاوس أنه أنكر ذلك » « 1 » .
دعنا نستمع إلى نبأ شهادته من لسان المعاصرين :
ألف : كان أبو الصلت الهروي من المعاصرين للإمام ومن صانعي الأحداث أو المراقبين لها عن كثب لصلته الوثيقة بالإمام ، فيسأله أحمد بن علي الأنصاري عن سبب اغتيال المأمون للإمام الرضا عليه السلام ، يقول له :
« كَيْفَ طَابَتْ نَفْسُ المَأْمُونِ بِقَتْلِ الرِّضَا عليه السلام مَعَ إِكْرَامِهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ وَمَا جَعَلَ لَهُ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَهُ ؟ فَقَالَ : إِنَّ المَأْمُونَ إِنَّمَا كَانَ يُكْرِمُهُ وَيُحِبُّهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِفَضْلِهِ ، وَجَعَلَ لَهُ وِلَايَةَ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ لِيُرِيَ النَّاسَ أَنَّهُ رَاغِبٌ فِي الدُّنْيَا فَيَسْقُطَ مَحَلُّهُ مِنْ نُفُوسِهِمْ ، فَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ لِلنَّاسِ إِلَّا مَا ازْدَادَ بِهِ فَضْلًا عِنْدَهُمْ وَمَحَلًّا فِي نُفُوسِهِمْ ، جَلَبَ عَلَيْهِ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْبُلْدَانِ طَمَعاً مِنْ أَنْ يَقْطَعَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَيَسْقُطَ مَحَلُّهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، وَبِسَبَبِهِمْ يَشْتَهِرُ نَقْصُهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ .
فَكَانَ لَا يُكَلِّمُهُ خَصْمٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ وَالْبَرَاهِمَةِ وَالمُلْحِدِينَ وَالدَّهْرِيَّةِ وَلَا خَصْمٍ مِنْ فِرَقِ المُسْلِمِينَ المُخَالِفِينَ لَهُ إِلَّا قَطَعَهُ وَأَلْزَمَهُ الْحُجَّةَ ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ : وَاللهِ إِنَّهُ أَوْلَى بِالْخِلَافَةِ مِنَ المَأْمُونِ ، فَكَانَ أَصْحَابُ الْأَخْبَارِ يَرْفَعُونَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَغْتَاظُ مِنْ ذَلِكَ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 49 ، ص 311 .