قُلُوبُهُمْ عَلَى هَذِهِ الدَّوْلَةِ المُبَارَكَةِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الرِّضَا عليه السلام وَقَالَ : قَدْ عَلِمْتَ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الشُّرُوطِ فِي دُخُولِي فِي هَذَا الْأَمْرِ ، فَقَالَ المَأْمُونُ : إِنَّمَا أُرِيدُ بِهَذَا أَنْ يَرْسُخَ فِي قُلُوبِ الْعَامَّةِ وَالْجُنْدِ وَالشَّاكِرِيَّةِ هَذَا الْأَمْرُ ؛ فَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ وَيُقِرُّوا بِمَا فَضَّلَكَ اللهُ تَعَالَى بِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَادُّهُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ ، فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ قَالَ :
يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! إِنْ أَعْفَيْتَنِي مِنْ ذَلِكَ فَهُوَأَحَبُّ إِلَيَّ ، وَإِنْ لَمْ تُعْفِنِي خَرَجْتُ كَمَا كَانَ يَخْرُجُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وَكَمَا خَرَجَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام .
قَالَ المَأْمُونُ : اخْرُجْ كَمَا تُحِبُّ . وَأَمَرَ المَأْمُونُ الْقُوَّادَ وَالنَّاسَ أَنْ يُبَكِّرُوا إِلَى بَابِ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام ، فَقَعَدَ النَّاسُ لِأَبِي الْحَسَنِ عليه السلام فِي الطُّرُقَاتِ وَالسُّطُوحِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَاجْتَمَعَ الْقُوَّادُ عَلَى بَابِ الرِّضَا عليه السلام .
فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ الرِّضَا عليه السلام فَاغْتَسَلَ وَتَعَمَّمَ بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ مِنْ قُطْنٍ وَأَلْقَى طَرَفاً مِنْهَا عَلَى صَدْرِهِ وَطَرَفاً بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَتَشَمَّرَ ، ثُمَّ قَالَ لِجَمِيعِ مَوَالِيهِ : افْعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلْتُ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ عُكَّازَةً وَخَرَجَ وَنَحْنُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَحَافٍ قَدْ شَمَّرَ سَرَاوِيلَهُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ مُشَمَّرَةٌ .
فَلَمَّا قَامَ وَمَشَيْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ، فَخُيِّلَ إِلَيْنَا أَنَّ الْهَوَاءَ وَالْحِيطَانَ تُجَاوِبُهُ ، وَالْقُوَّادُ وَالنَّاسُ عَلَى الْبَابِ قَدْ تَزَيَّنُوا وَلَبِسُوا السِّلَاحَ وَتَهَيَّئُوا بِأَحْسَنِ هَيْئَةٍ ، فَلَمَّا طَلَعْنَا عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الصُّورَةِ حُفَاةً قَدْ تَشَمَّرْنَا وَطَلَعَ الرِّضَا وَقَفَ وَقْفَةً عَلَى الْبَابِ وَقَالَ :
« اللهُ أَكْبَرُ ، اللهُ أَكْبَرُ ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا رَزَقَنَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَبْلَانَا » ، وَرَفَعَ بِذَلِكَ صَوْتَهُ وَرَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا .
الإمام الرضا (ع) قدوة وأسوة — صفحة 51
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥١