وتتلخص عناصر المفهوم العام عن العالم في بضعة أسئلة يوجهها الإنسان إلى نفسه .
* ما هي الروح التي تدبر ظواهر العالم ، أو بتعبير آخر : ما هو إله هذا الكون العميق الواسع ؟ .
* وما هي القيم الأساسية التي تعمل وفقها الحياة ، أو بتعبير آخر : ما هي سنن الحياة العامة ؟ .
* وما هي نسبة الإنسان إلى الكون ، أو بتعبير آخر : ما هو الدين القويم للإنسان ؟ .
وتصدى لصياغة مفهوم عام عن العالم ، الإنسان عبر الزمن . فلم يستطع التجنح فوق منطق الكثافة المادية القريبة . وابتعث الله رسله ليهدوا الناس إلى عالم الغيب ، الذي يُقيِّم عالم المادة ويُدبِّره .
ومن هنا تنوع المفهوم العام إلى مفهوم مادي وآخر سماوي ، والمفهوم المادي تشعب إلى ثلاث مدارس رئيسة :
1 - المدرسة المثالية ، التي لم تبصر سوى النفس البشرية ، فرفضت الاعتراف بحقيقة ما وراء الشعور . وقد بحثنا حول هذا المفهوم في الفصل السابق لدى بحثنا عن قيمة المعرفة .
2 - المدرسة المادية العقلانية ، وتدخل ضمنها المدرسة المادية الوضعية ، والمادية الميكانيكية ، وفلسفة أرسطو الثنائية ، وما أشبهها . وتجمع بينها فكرة العقل المدبر ، الذي يُسيِّر الكون ، سواء كان العقل خارجًا عنها أو داخلًا فيها .
3 - المدرسة المادية اللاعقلانية ، وهي تنطوي على : المادية الديالكتيكية وبعض الفلسفات الرجعية التي تتوغل في عمق التاريخ السحيق .
4 - المفهوم الإلهي ، وهو الإسلام ، الذي نزل به أنبياء الله أجمعون ( عليهم السلام ) وأكملها النبي محمد ( ص ) وخلفاؤه المعصومون ( عليهم السلام ) .
ولنتحدث الآن عن هذه المدارس الأخيرة ، ونحن نمهد لاستعراض العقائد الإسلامية ، التي هي شرح وتبيين للمفهوم الإسلامي العام عن حقيقة الكون .
ونبدأ الحديث عن المادية اللاعقلانية ( الديالكتيك ) لنقترب شيئًا فشيئًا من المفهوم الإسلامي ؛ ذلك أن المادية العقلانية تتوافق مع المفهوم الإسلامي في جانب كبير .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 104
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٤