المدخل
تكوين مفهوم عام عن الكون أو في تعبير أفضل عن العالم ( وهو كل حقيقة وراء الشعور ) ، ليس من اختصاصات العلم بمعناه الضيق ، بل هو موضوع الفلسفة بالمعنى الشامل .
فإذا سألت أي عالم فيزيائي أو كيميائي أو اجتماعي عن هذا العالم ما هو ؟ لأخذ يحلل لك مواده ويشرح لك سننه وغرائبه . ولكنك ترى هذه الأجوبة ضئيلة لا تكفي حاجتك الملحة إلى تفهُّم حقيقة العالم ككل ، وتكوين نظرة عامة عنه .
إن المفهوم العام ، هي القيمة الأساسية التي تقوم عليها قائمة العلوم البشرية جميعًا ، وهي الركيزة الأولى التي تدور حولها النظم والقيم والنشاطات كلها ، وهي الأطر الكبيرة التي تتحرك ضمنها جزئيات الكون ، وهي الروح التي تعيش خلف العالم وتحركه أنَّى شاءت . ولذلك فإن العلوم التي تبحث في بعض الجوانب الظاهرية من الكون لا يمكنها إعطاء مفهوم عام عن العالم .
إن الإنسان بحث عن المفهوم العام قبل بحثه عن الخصائص الجزئية بكثير ، ولا يزال يبحث عنه رغم توسُّعه في حقول العلم جميعًا . فتاريخ الأديان والفلسفات يسبق أبدًا تاريخ العلوم ، ويحظى عبر جميع الأجيال بأكبر الاهتمام . وظل الإنسان يبحث عن هذا المفهوم حتى اليوم ، وغدًا حتى الأبد . لأن في الإنسان نهم بالغ يدعوه إلى هذا البحث أشد من أي نهم آخر .
من هنا ، نرى في كل أمة نهضة فلسفية تعيد إلى الناس شعورهم بمفاهيم عامة مستقيمة ، ثم تبتدئ مسيرتها العلمية . كذلك في اليونان ، وكذلك في أرض الإسلام ، وكذلك في أوروبا ، سبقت كلمة الفلسفة منطق العلم .