استخلفه الله في الأرض ، وسخَّر له ما فيها بما آتاه من علم وقدرة ؛ لعرفوا أن من حكمة الله سبحانه أن يفضل بعض الناس على بعض في العلم ، وليهب لمن أطاعه وأخلص له المزيد من المعرفة سواء عبر الوحي كالرسل ، أو عبر الإلهام كما فعل بأوصياء الرسل .
ثم إن ما أوحى به الله من الكتاب فيه آفاق من العلم لا يبلغها إلَّا من امتحن الله قلبه بالإيمان ، لأنه نور الله الذي يشع من مشكاة النبوة . إنه ذكر الله الذي يرتفع من بيوت الأوصياء كما قال سبحانه : اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ « 1 » .
قال : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ( 36 ) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ « 2 » .
ثم قال : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ « 3 » .
هكذا نور الله الذي منح جزءاً بسيطاً منه للإنسان ، فإذا به يعرف علما يُسَخِّرُ به كل شيء من حوله ، إنه لو سلب منه ترى ماذا يبقى له ؟ هل يستطيع آنئذٍ أن يعرف شيئاً . فلو اجتمعت البشرية وحاولوا إعادة مجنون إلى رشده ، أو شيخ مخرف إلى سابق علم ، أو تعليم هرة دروس الرياضيات ، هل استطاعوا إلى ذلك سبيلًا ؟ كلا . . فلماذا ينكرون على الله الذي منح البشر هذا النور أن يكون قادراً على مضاعفته لخيرة عباده ؟
هكذا نعرف أن الوحي والإلهام هما في إطار سنن الله في خلقه ، يقبلهما العقل ويطمئن إليهما القلب .
هامش
( 1 ) سورة النور ، الآية : 35 .
( 2 ) سورة النور ، الآية : 36 - 37 .
( 3 ) سورة النور ، الآية : 40 .