وبالرغم من أن الخط الثالث ، كان منبوذًا ، ولا تزال ذكريات بدر وأُحد حيَّةً في نفوس المسلمين ، وبالتالي لم يكن لرموز هذا الخط الجرأة بأن تطرح نفسها سلطةً سياسيةً ، إلَّا أن انتشار شبكتها في الجزيرة ، وتراكم التجربة القيادية لديها ، وامتلاكها لكثير من الرجال الأشداء ، والأموال الطائلة ، كل ذلك كان يجعلها الغائب الشاهد في كل قرار سياسي للأمة ، حيث كانت أكبر قوة ضاغطة من وراء الأحداث .
ويبدو للباحث في التاريخ أن أيَّة قوة سياسية كانت تتحالف مع خط أبي سفيان ، كان بإمكانها أخذ أزِمَّة الأمور بيديها . وإن أبا سفيان حاول في البدء التحالف مع الإمام علي عليه السلام فرفضه ، فتحالف مع بعض عناصر الخط الثاني الذي كان يعتبر معتدلًا تجاهه ، إذا قيس بتصلُّب الإمام علي عليه السلام ومدى شدَّته في ذات الله .
فقد جاء في بعض النصوص التاريخية ، أن أبا سفيان مشى إلى الإمام عليه السلام بعد وفاة الرسول ، فحثَّه على المطالبة بحقه ، ووَعَده بأن يملأها خيلًا ورجالًا . فأبى عليه السلام ذلك بقوّة ، وألقى خطابًا هامًّا رغَّب الناس في الآخرة وزهَّدهم في الدنيا ، جاء في أوله :
« أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ المُنَافَرَةِ وَضَعُوا تِيجَانَ المُفَاخَرَةِ ، أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ ، مَاءٌ آجِنٌ وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا ، وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ ، فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى المُلْكِ وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ المَوْت » « 1 »
. وهكذا غلب الخط الثاني والذي اتَّفقت قياداته على بيعة الخليفة الأول على السلطة ، وكانت قيادات الجيش متفقة مع هذا الخط في
هامش
( 1 ) نهج البلاغة الخطبة ( 5 ) .