أيضا . فالابتعاد عن نهج الله في الحياة ، وعدم التفكير الجدي في الطريق السليم للعيش ، يتسبب في نهاية الحضارة ، نهاية متدرجة أو صاعقة . فإذا انتشر الفساد ، سادت الميوعة ، وإذا سادت الميوعة ، فقدت الأمة التماسك الداخلي ، وتفسخت وانتهت ، وهذه الحالة هي التي يعبر عنها بعض المؤرخين ب - ( حالة الشيخوخة ) في الحضارة ، حيث يسترسل أفراد الأمة في الإسراف في الملذات الآنية ، ناسين أهدافهم في الحياة ، ومن ذلك رأى اشبنلجر : ( تشابها بين قيام الحضارات ، ونموها ، ووصولها إلى القوة ، ثم انحدارها ( في ) عملية بيولوجية شبيهة بما يجري على الكائنات الحية في تطور طبيعي عضوي ، بالضبط كما قال ابن خلدون « 1 » . . ولكن اشبنلجر ذهب في تشبيه دور الحضارات ، بدون حياة الكائن الحي إلى مدى مسرف في البعد ، فإن التطباق بين حياة الأمم - كما قلنا - غير موجود إلا في الظاهر فقط « 2 » .
وقد استطاع توينبي - الذي أخذ من ابن خلدون ، ومن ملاحظاته لعشرين حضارة في التاريخ فكرة دور الحضارة - استطاع ان يستعدل نظريته ، بما يتناسب ووجدان الإنسان : إنه حر ، ومسؤول ، عن تصرفاته ، فقال : إن من الممكن أن تستمر الحضارة في الاستجابة الابتداعية ، ولا تموت بذلك « 3 » .
والواقع إن الكائن الحي ، مضطر للتدرج وفق مراحل الحياة ، منذ الطفولة إلى الفتوة والشيخوخة ، ولكن الأمة لا تتحرك من دون إرادة أبنائها ، وتحركهم ووجود فكرة صالحة فيهم .
الظالم الذاتي في القرآن :
وقد ضرب الله لنا مثلا بقوم لوط الذين انتشرت فيهم الميوعة وأنهت حياتهم
هامش
( 1 ) - المصدر ، ص 103 .
( 2 ) - المصدر ، ص 104 .
( 3 ) - المصدر ، 106 .