3 - انتقاد أبي البركات البغدادي
قال : أن الفاعل الواحد يفعل أشياء بحسب أشياء أخرى ، سواء كانت معلولاته أو معلولات غيره ، فيخلق الله صورة ، والصورة هيولي ، ويخلق نفساً وللنفس بدناً وفلكاً ويخلق له محركاً بحيث تتعدد إرادته القديمة والحادثة فيكون من خلقه القديم الذي يتقدم الله عليه بالذات فقط والحادث الزمني ، وهذا من أجل غيره حتى يصير من لوازم الصادر الأول جملة أمور زمانية وغير زمانية « 1 » .
ويبدو أن هذا الناقد غفل عن أن من أهم ضلالات الفلاسفة غفلتهم عن الإرادة المتجددة ، ولو أنهم سلموا لها ، لحلّوا إشكالات عديدة ، وسوف نتعرض إن شاء الله لذلك مستقبلًا .
وكلمة أخيرة : إن المبدأ الثاني ليس إلا مأزقاً للفكر الفلسفي ، إذ أنه يجعلهم أمام سؤال الكثرة الموجودة في الكون ، ولا مناص لهم في التسليم لبعض التفسيرات الغريبة للكثرة ، بل اضطرهم هذا المبدأ إلى المكابرة ونفي الكثرة ذاتاً .
ب - القسم الثاني من المبدأ الثاني
أما القسم الثاني من هذا المبدأ والذي يقول : إنه مع تعدد الوسائط يجوز التركيب ، فأهم اعتراض عليه هو :
من أين للوسيط الأول القدرة على فعل أكثر من شيء وليس لله نفس ذلك ؟ من أين جاءت هذه القدرة ؟ إن كانت من الله فقد صدر عن الله شيء يتصف بالوحدة والكثرة معاً ، أي أنه موجود ومتكثر ، أو فيه قدرة للتكثير ، وإن كانت ليست من الله فإنه ليس مصدر كل شيء ؟
فإن قيل : إن المعلول الأول كثرته مستمدة من صلته بالله ومن وجوده الذاتي ( وكواجب وممكن ) أي بسبب اعتبارات عقلية فيجب نسبة هذه الاعتبارات إلى الله « 2 » .
وبتعبير آخر ، الكثرة بعد التدقيق هل هي من جهة الخالق أو المخلوق ؟
هامش
( 1 ) ( ) المصدر ، ص 146 عن المعتبر في الحكمة ، ج ، ص 156 .
( 2 ) ( ) من نقد ألبير نصري نادر عنه دراسات ، ص 149 .