الموجودات ، والتعددية التي نؤمن بها بين الخالق والمخلوق ، ما هي إلا سوى مراتب وتطورات لذات الوجود الواحد .
حيث إننا نرى الاختلاف بين الخالق والمخلوق ذاتياً وكبيراً وحاسماً ، ولا يمكن أن يصبح المخلوق خالقاً ، أو الحادث قديماً ، أو المحدود مطلقاً .
1 - فالله سبحانه : نور أزلي ، لا تحويه الحدود ، ولا تقيده القيود ، وذاته الكمال المطلق ، فبذاته : عالم حي قيوم وقادر وهو الحق بذاته ، أحدي لا شريك له ولا شبيه .
2 - والمخلوق : ذات مظلم بذاته ، محدود ، غير مستقل بنفسه ، وجوده بالله ، وواقعيته بالله وكمالاته بالله .
والنصوص التي تدلنا على هذه الحقائق لا تحصى في الكتاب والسنة : بل آيات الذكر الحكيم وكلمات الهداة المعصومين كلها شاهدة عليها ، لو لم نحمّلها تفسيرات متكلّفة ، بهدف الجمع بينها وبين آراء الفلاسفة قسراً وزوراً .
وفيما يلي نذكر بعضاً قليلًا منها على أن نسترشد بها إلى سائر النصوص المباركة .
أولًا : حين نسمع كلمة ( الحق ) يتبادر إلى أذهاننا ما يعاكس ذلك ، وهو العدم واللاواقعية واللاتحقق ، والآيات القرآنية تذكرنا بأن خلق السماوات والأرض قد خلقت بالحق وأن خلقها ليس باطلًا ، يقول ربنا سبحانه :
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( الدخان / 38 - 39 )
مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ( الأحقاف / 3 )
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ( ص / 27 )
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( آل عمران / 191 )
ثانياً : إن لفظة القيوم التي تتكرر في الآيات صريحة في أن بالله ( قيام ) السماوات والأرض ، وأن لولا إذنه إمساكه إياهما ، إذاً لزالتا ، قال ربنا سبحانه :
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي) — صفحة 256
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٦