الأولى : أن كون الأشياء بحيث تصدر ، أو بتعبير آخر : تلد وتولد وتصدر ، إن ذلك دلنا على أن الكون عاجز ومحدود وبحاجة إلى خالق متعال عن الصدور والإصدار ، ولو أنا افترضنا جدلًا : أن الله تعالى مثل الأشياء في صدورها من بعضها ، إذاً اقتضت الحاجة إلى العقيدة بخالق الكون سبحانه وتعالى « 1 » .
الثانية : أن الأشياء لا تصدر من بعضها إلا من بعد تركيبها وازدواجها ، وبعد وجود عامل خارجي ، وافتراض التركيب في ذات الحق تعالى يهدم أساس العقيدة بالله ، ولعلنا نستلهم هذه الحقيقة من قوله سبحانه :
وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَآء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( الأنعام / 100 - 101 )
فلو تأملنا في قوله سبحانه : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَهُ صَاحِبَةٌ لتدكرنا بحقيقة علمية وفطرية هي أن كل ولادة تتم بازدواج عنصرين ، فهل يمكن أن يفترض لربنا القدوس المتعال سبحانه صاحبه ؟
باء : المنطلقات النفسية
الطغيان
خلق الله الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ، وأسكنها الفضاء ، ولكنه سبحانه أسكنها بعدئذٍ في أبدانها ، لماذا ؟ لأن بعض الأرواح كانت تنزع نحو ادعاء الربوبية ، وهي تعيش في ذلك الأفق الواسع حرة طليقة ، فكانت حدود الجسم وقيوده وآلامه وتطلعاته أفضل كابح للروح المحبوسة في قفص الجسم من الطغيان وادعاء الربوبية .
هامش
( 1 ) ( ) عند الحديث عن نظرية الفيض سوف نعرف : كيف تصبح بعض النظريات الفلسفية الخاطئة سبيلًا إلى النظريات المادية .