شيئاً من المادة الأولى بشيء من المادة الثانية فصار هذا الكون .
إذاً ؛ فالكون مخلوط من مادتين : مظلمة خبيثة ونورية لطيفة ، لذلك ترى الخير والشر في هذا الكون ؛ حيثما هما مخلوقان . والقرآن الكريم يقول : الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( الانعام / 1 ) ويقول أيضاً : اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ( البقرة / 257 ) . فالظلمات مادة مجعولة ومخلوقة وليست عدمية كما قد يتبادر إلى الأذهان ، والنور كذلك مادة مخلوقة . وفي يوم القيامة تنفصل المادتان عن بعضهما ليمتاز الذين آمنوا عن الذين كفروا . فمادة الخير تنفصل إلى الجنة ، ومادة الشر ستنفصل أيضا إلى النار . فالمخلوق النوري هومن كان يعمل الطيبات فيسدخله الله جنته ، والمخلوق الناري حري أن يدخل النار لأنه لم يحاول التخلص من خبث الظلمات رغم النعم الإلهية والقابليات التي زوده بها .
فالإنسان حينما يأكل مال اليتيم فهو في واقع الأمر يأكل نارا ، وحينما يظلم يدخل في نفق مظلم ، وحينما يكذب تخرج من فمه رائحة منتنة يتأذى منها أهل السماوات ، وحينما يغتاب يأكل لحم أخيه . . إلا أن هذا الانسان عاجز من وجهة النظر المادية عن إدراك ولمس هذه الحقيقة في الدنيا ، لأنها عالم بسيط جدا بالقياس مع عالم الآخرة .
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 266
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦٦