الإيراني المعروف عمر الخيام ذهب أبعد من ذلك بكثير ، حيث يشير إلى أنه كأنسان يفعل الفعل ، ليتحقق بذلك ما هو ثابت في علم الله ؛ أي أن الانسان يتحول في هذه النظرية إلى مساعد لله ، باعتبار أن علم الله جلّ جلاله لا يكتب له التحقق لو لم يقم الانسان بترجمته إلى واقع ملموس .
وبكلمة إن هذا الشاعر يهدف إلى القول بحاجة الخالق إلى مخلوقه ، فهو يقول في أحد أبياته الفارسية ما مضمونه : أنا أشرب الخمر ؛ لأن شربي للخمر كان في علم الله ؛ ولولاه لأصبح علم الله جهلا ! وأنا لا أستطيع أن أجعل علمه جهلا . . ! !
يعني أنه يمنّ على الله بفعله للمعصية ؛ ولعمري إنّ هذا لمذهب عتيد في الكفر يذهب أبعد بكثير مما ذهبت اليه المجبرة .
ورغم ما يبدو من تعقيد وفذلكة في صياغة هذه الشبهة في الظاهر ، إلا أن الحقيقة تظل ناصعة سهلة التناول والاعتناق ممن كان قد ألقى السمع وهو شهيد . إذ العلم شيء ، والإرادة شيء آخر . فمن كان يعلم أن الشمس طالعة هل إن ذلك العلم هو سبب طلوعها ؟ وإنك حين تعلم بان الناس الذين يعيشون اليوم على وجه البسيطة سوف لا يبقى منهم أحد بعد مئتي سنة ، فهل إنك بهذا العلم مسؤول عن موتهم ؟ وإن الأستاذ الذي يعلم بأن تلميذاً له سوف يفشل في الامتحان النهائي بسبب عدم مطالعته ومراجعته لدروسه ، فهل إن الأستاذ مسؤول عن فشل ذلك التلميذ . ؟
وإنما هذا العلم له أسباب مغايرة لأسباب حصول الإرادة ، لا سيما وأن طرفي العلم والإرادة متغايران هنا منذ البداية .
فالعلم الإلهي قائم على أساس طبيعة إحاطة الخالق بما ستعمل مخلوقاته ، لا على
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 247
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٤٧