حين إن الله تعالى يقول بكل صراحة في قرآنه الكريم : انَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الانسَانُ ( الأحزاب / 72 ) بمعنى إن الانسان قد قبل تحمل المسؤولية الكبرى في هذا الكون ، فاستحق أن يكون الخليفة في الأرض ، لأن طبيعة خلقته التي وضعها الله فيه تتطابق كل التطابق مع بنود هذه المسؤولية الكبيرة .
ولقد كان ضمن الشرائح التي آمنت بالقدر إيماناً مطلقاً - بعد اليهود والإغريق ومجموعة الطواغيت - الخوارج ؛ الذين كانوا يعرفون بالقرّاء في مجتمع الكوفة في ظل إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، فهذا عبد الرحمن بن ملجم - لعنه الله - حينما سيق إلى الامام بعد محاولة الاغتيال الآثمة قال له أمير المؤمنين : " أبئس الامام كنت لك حتى جازيتني بهذا الجزاء ؟ " فأجابه المجرم : يا أمير المؤمنين أفأنت تنقذ من في النار ؟ ! ( « 1 » ) أي إن اسمي مكتوب في سجل أهل النار قبل أن أصيبك بهذا المقتل ، فلماذا تحاول توبيخي وتأنيبي على فعلتي ؟ !
وبكلمة : إن جواب ابن ملجم يوحي بأنه ليس مسؤولا عن جريمته ، وإنما القدر هو الذي قتل الإمام عليه السلام . . . !
إن المناهضين لعقيدة البداء يؤكدون - بكل جهل - أن الله قد أكمل الأمور ، وأن أصحاب الجنة معيّنون ومنتخبون ، وأن أصحاب النار معيّنون ومنتخبون كذلك .
لا تغيير في الحياة :
ثالثاً : إن فلسفة إنكار البداء تضطر إلى إنكار المعاجز والنبوة وحتى المعاد . فهي تفسر الاعجاز تفسيرات مادية بحتة ، وتعزوها إلى قوانين طبيعية لم يتوصل
هامش
( 1 ) بحار الأنوار / ج 42 / ص 287 / رواية 58 .