الشقاء ؟ ! بل وما معنى أمره بأن ندعوه وأنه قريب مجيب ؟ فنحن إذا نفينا الاعتقاد بمبدأ البداء وتملصنا عنه يكون لزاما علينا أن نترك العبادة والعمل الصالح ونقف مكتوفي الأيدي بانتظار مصيرنا ، بل يكون الأحرى بنا أن نطلق العنان لأنفسنا ونتنعم بملذات الدنيا - حلالها وحرامها - لنكون قد ضمنا إحراز واحدة من اثنتين - على الأقل - لذات الدنيا لا سيما وأننا نجهل مصيرنا في الآخرة ! !
إذا عدنا إلى قصة النبي يونس عليه السلام مرة أخرى نكتشف الكثير من الحقائق ، وذلك لمعالجتها قضية شديدة الأهمية بالنسبة للعقيدة الاسلامية . فهذا النبي العظيم كان قد دعا الله على قومه بان يذيقهم العذاب بكفرهم فاستجاب الله له وأنبأه بأن العذاب واقع في الساعة الفلانية ، ولما حلت ساعة المصير غادر النبي المدينة وكان على يقين بأن العذاب واقع بهم ، وحينما أراد العودة سأل بعض الناس عن الخبر فقيل له إن قومه يعيشون على ما يرام ولم يمسهم عذاب . فذهب مغاضباً وركب إحدى السفن لا لوجهة معينة ، فأعترض أهل السفينة حوت عملاق ، فاقترعوا فكانت القرعة على النبي يونس بالذات رغم تكرار الاقتراع عدة مرات فأخذوه ورموه إلى فم الحوت وابتلعه ، فبقي مدة في بطن الحوت سجيناً . وقد يكون هذا جزاء لإحتمالات عديدة : لأنه دعا على قومه في عجل أو أنه لم يتوغل في نفوس قومه ليعرف ما تبقى فيها من أمل بالله العلي الكبير ، أو يكون لعدم سؤاله من الله عن السبب في رفع العذاب عنهم . . .
فكان جزاؤه أن يبقى في بطن الحوت إلى يوم يبعثون ، لكنه دعا الله مرة أخرى ، يملأه الاعتقاد بأن من السهل اليسير على الله أن يغير في مصيره المقدر . فاستجاب له الله ونجاه من الغم ، وكذلك ينجي المؤمنين من الحوادث والمقادير . . .
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 159
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥٩