تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
2 - أليس الله يعلم أن عباده يذنبون علماً سابقاً على وجود ذنبهم ؟ ثم أليس الله عليم ولا يجهل ولا يمكن أن يخطأ . إذاً فلو علم الله أني أكذب فإني لا أقدر على أن لا أكذب ، إذ لو لم أكذب إذاً لزم أن يكون علم الله جهلًا . الجواب : - بالرغم من أن هذه الشبهة ترى قوية في الأوساط الفلسفية ، فإن جوابها واضح وبسيط يعرف بعد أن نفهم واقع العلم ، ولنأت له بمثل : انك تعلم أن أخاك سوف يموت بعد مئة سنة علماً يقيناً ، فماذا يحدث ؟ إن الواقع الخارجي الذي يحدث بعد مئة سنة وقد انكشف لك بصورة واضحة ، وهل هناك شيء آخر من تأثير في الواقع ؟ طبعاً لا . حيث أن علمك لا يؤثر في الواقع الخارجي ، فلست أنت الذي تقتل أخاك ، بل إن لموته سبباً خاصاً أنت فقط تعلم أنه سيموت ، فالعلم ليس إلّا معرفة الواقع كما هو ليس سبباً في صنع الواقع . . واليك مثلًا آخر : تعلم أن زيداً سوف ينتحر غداً بصورة إرادية واختيارية ، فهل يعني هذا أنك قتلته ؟ أبداً ، ذلك لأنه إنما انتحر لإرادته الخاصة ووفقاً لدواعي مخصوصة ، ولست أنت إلّا عالماً بما سوف يجري . فالعلم لا يؤثر في صنع الأمر الواقع ، بل في كشفه ، ولدى مقياسه العلم بالمستقبل بالعلم بالماضي يصبح الأمر أكثر وضوحاً لو أنك علمت بأن زيداً مات أمس ، فهل يعني هذا أن لعلمك تأثيراً في هذا الموت . وبما أن حقيقة العلم واحدة في الماضي والمستقبل ، فليس هناك مجال مقود بتأثير العلم في الواقع ، وعلم الله بالأشياء لا يعني أنه هو الذي يفعلها مباشرة . فإنه يعلم مثلًا أن زيداً سوف يختار الكفر بحريته وإرادته على الإيمان ، وليس معنى هذا أنه تعالى يجبره على ذلك .