الحساب ، كل ذلك لأنها تتنافى واللذائذ التي يتعجلها حب الذات ويزيّنها الجهل له ، وتتنافى مع كبرياء الجهل وغفلته عن المستقبل البعيد .
أما العقل ؛ فإنه يدعو إلى المثل العليا . . يدعو إلى الخير ويفضله على الشهوات العاجلة ويدعو إلى الطاعة الصادقة ، وأخيراً إلى الإيمان بالله سبحانه والتسليم له ما دام ذلك كله يؤدي إلى حسن الثواب وحسن المصير ، وما دام ذلك هو الحق والعدل اللذين يأمر بهما العقل .
ج - وليس للإنسان من عمل إلّا ويتأثر بنشاط إحدى هاتين القوتين ، وبمدى إفساح المجال لواحدة منهما للعمل في ساحة النفس تنسحب الأخرى للطبيعة المضادة بينهما - فإذا اختار الإنسان الجهل على العقل وأطاع الهوى واتبع الشهوات وترك الحق والعدل فقد أمات عقله ، لأنه لم يترك مجالًا لطاعته في اتباع الهدى والعمل بالحق والعدل فيتغلب لديه الجهل على العقل ، ويكون العكس تماماً إذا اختار العقل على الجهل حيث لا يدع مجالًا للجهل ولا لحب الشهوات العاجلة واللذائذ القريبة المتواضعة .
د - وتبقى النفس البشرية متوترة بفعل هذه المنازعة حتى يتغلب أحد الجانبين على الآخر بالعمل به أو التفكير فيه ، فإذا غلب الجهل على العقل ذهب نور العقل وطبع على النفس بطابع الكفر وأصبح الفرد حينئذ لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه شيئاً . ان هذا الفرد لا يرجى منه الخير أبداً ، إذ أن القوة التي كان يعمل بها الخير قد ذهبت إلى غير رجعة ، وتدعى هذه الحالة في منطق الدين بالجحود والعناد . . وإذا غلب العقل على الجهل تضاءل
الفكر الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 33
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٣