4 / علينا أن نختار الوقت كلما تعارض مع سائر الأشياء ذات القيمة . فادفع مالًا أكثر لتحصل على الوقت ، فان المال يعوّض والوقت لا يعوّض .
5 / ليس الدين نظاماً شمولياً ذا بعدٍ واحد ؛ لا في السياسة ، ولا في الإقتصاد ، ولا في أي حقل من حقول الحياة ، بل هو النظام الأكثر تعددية وتنافسية . فهو يؤمن بتنوع الشعوب والقبائل ليتعارفوا ، ويعترف بتعدد الأديان والمذاهب ليبلو بعضهم ببعض ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) ، ويقر باختلاف الألوان والألسنة ( الأذواق ومناهج التفكير ) ، ويستوعب الاقتصاد الحر القائم على التنافس على الخيرات ، ويشجع الاستباق في العمل الديني بين الفئات المختلفة .
وهذا النظام هو الأكثر واقعية ، والأقدر على توحيد الأمم ، والأقرب إلى كرامة البشر التي تتنافى مع الفرض والقهر واستلاب الحريات .
من هنا نجد إن حرية الاختيار في المسائل الأهم كالدين مكفولة ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) ( البقرة / 256 ) ، فكيف بحرية الانتخاب في المسائل المهمة ( كالسكن والإقامة والانتماء السياسي ، والعمل الاقتصادي ) ؟ وهكذا يجب علينا أن نعيد النظر في كثير من مفردات الأنظمة والعادات التي فرضت على المسلمين في عهود مضت ، إما بسبب رؤية خاطئة إلى الدين في عصور التخلف ، أو بسبب ميل حكومات الجور وجماعات الضغط السياسية والاقتصادية إلى الشمولية .
بلى ؛ إن الشمولية مخالفة صراحة مع الكرامة والحرمة ( الحرية ) والاختلاف ( التعددية ) .
وفيما يلي طائفة من الأمثلة نسوقها في نفي الشمولية ، وذلك بهدف بلورة الرؤية فقط ، أما التفصيل فلا بد من دراسته عبر بحوث مطوّلة .
أ - الإسلام يؤمّن حرية المعرفة والثقافة ، وقد أمر الله سبحانه بالجدال بالتي هي أحسن ، وبشّر عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأمر بالنظر والعقل والتفكير ، ونهى عن الإكراه على الإيمان . ومن هنا نشأت في ظل الدين جامعات علمية شامخة ، كان البحث الحرّ قاعدة أساسية فيها . وجاءت لحظة النكد في الدولة الإسلامية واقتضت الإرهاب وقمع الأحرار وفرض آراء خاصة في العقائد والفقه والأخلاق . ولكن مع ذلك كانت هناك معاهد علمية مارست ، ولو بخفاء دورها في البحث الحرّ ، والتي تجسدت في الحوزات الدينية التي بالرغم من محدودية أنشطتها بسبب الظروف المعاكسة ، إلّا أنها ظلت تمارس عملية الاستنباط ، فاتحة أبواب الاجتهاد على مصراعيها .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 415
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤١٥