السلوك . فالتعاون هو السبيل إلى التقوى . ومن هنا يقول ربنا سبحانه : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) ( المائدة / 2 )
ومن دون فهم هذه الشمولية في معنى التعاون ، نقع في أخطاء كثيرة . كيف ؟
قبل بيان ذلك أضرب مثلًا ؛ أمام النجار كومة من الأخشاب يريد أن يصنع منها كرسياً ، ماذا يصنع ؟ يهيئ الأخشاب ، أولًا يقيسها حسب الكرسي المتصور ، ثم يقطع الزوائد منها ، ويسوّي قطعاتها ، ويصقل سطوحها الواحدة بعد الأخرى ، ثم يجعلها تتداعم حتى تصبح كرسياً . كذلك البشر قبل أن يتداعموا ( ويتعاونوا ) لا بد أن تصقل نفوسهم وتسوّى ، وتصقل لتنسجم مع بعضها البعض . فكيف تصقل النفوس ؟ بالأخلاق والآداب . مثلًا ؛ إذا كانت نظراتهم إلى بعضهم سلبية نابعة من الحقد والحسد والحمية ، لا يستطيعون التعاون . وإذا كان كل واحد يريد أن يأخذ أكثر مما يُعطي ، لا يقدرون على التعاون .
وهكذا كانت الأخلاق الفاضلة والآداب الرفيعة هي دعامة التعاون .
وإنما كانت الأخلاق الحسنة أساس الحضارات ، لأن حقيقة الحضارة هي التعاون ، والأخلاق شرطه الذي لا بد منه .
والاسلام دين الحضارة ، وقد احتوت تعاليمه على منظومة متكاملة من الوصايا الخلقية ، حتى روي عن الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله قوله الكريم : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " . ومن هنا استفاضت النصوص الدينية في الأخلاق .
وكما الأخلاق الحسنة ، كذلك الآداب الرفيعة تساهم في تسهيل التعاون . فآداب الزينة والسلام والتهادي ، والقول بالذي هو أحسن ، وسائر آداب العشرة التي نجدها بوفرة في تعاليم ديننا الحنيف ، إنها تشكل أسس التعاون .
وإلى تلك الوصايا الخلقية والتعاليم القيمة في الآداب ، نحن بحاجة إلى كل خلق فاضل أو أدب رفيع يساهم في تدعيم أسس التعاون ، حتى ولو لم نستوحيه من النصوص ، لأن التعاون مأمور به ، وكل ما يؤدي إليه مأمور به بالتبع .
إن النظر التجزيئي إلى الشريعة الغراء ، وبالذات إلى الوصايا الأخلاقية فيها جعلنا لا نأبه بطائفة من الأحكام والتعاليم لعدم معرفتنا بمدى أهميتها . ولأن البعض منا يزعم أن الوصايا الأخلاقية ليست واجبة ، فإنك تراه يستخف بها . كلا ؛ إن كثيراً من الوصايا الخلقية واجبات شرعية مؤكدة .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 374
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٧٤