في قلوبكم من نيران العصبية ، واعتقاد الجاهلية ؛ وإنما تلك الحمية يكون في المسلم من خطوات الشيطان ونخواته ونزغاته ونفثاته " . « 1 »
خامساً : صور من العصبية
ألف : العصبية الدينية والطائفية
العقل يهدينا إلى الإيمان بالحق ، وأن ندور معه أينما دار . والعصبية تدعونا إلى الدفاع عن الذات ، وما يتصل بالذات ؛ حقاً كان أم باطلًا . يبقى الإنسان بينهما خاضعاً لامتحان صعب ، إذ قد يكون انتماؤه إلى دين أو مذهب حقاً ، ولكنه يغالي فيه فيصبح باطلًا ويزيغ قلبه ، إذ الحق قد يكون في يوم شيئاً وفي يوم آخر شيئاً آخر . أرأيت شرائع الله كيف نسخ بعضها بعضاً ، فبقيت طائفة من الناس متمسكين بالشريعة المنسوخة تعصباً لها وليس إيماناً بالحق ؟
ومن هنا فإن التمسك بالحق والاستقامة عليه ، يختلف عن التعصب للنفس ولما تمسك الإنسان به سابقاً ، حتى ولو خالف الحق . وإليك مثلًا آخر ؛ ما دام الإيمان يكون بالحق ، فلا فرق - عند المؤمن - بين أن يكون الحق لديه أم لدى غيره . ولكن إذا كان محور الانتماء الذات ، فإن الحق إذا كان عنده أو نزل عليه آمن به ، وإذا أنزل على غيره كفر به . وهكذا تراه يؤمن بنبي ويكفر بآخر ، ويؤمن بكتاب ويكفر بآخر . وهكذا إنه إذاً يتبع العصبية الجاهلية ، وليس الحق . من هنا أمر الله بالإيمان بالأنبياء جميعاً ، وألّا يفرق المؤمن بينهم .
1 / قال الله سبحانه : ( ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ انْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كَلٌّ ءَامَنَ بِاللّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) ( البقرة / 285 )
2 / وقال الله سبحانه : ( هَآ أَنْتُمْ اوْلآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ اْلأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) ( آل عمران / 119 )
3 / وقد أعلن كتاب ربنا سبحانه ، أن المعيار عنده تعالى هو الحق المتمثل في الإيمان والعمل الصالح ، بعيداً عن الانتماء الشكلي ، فقال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين ، ج 5 ، ص 73 .