هكذا نستوحي من الآيات القرآنية ؛ إن من سبق إلى أرض فعمّرها واستوطنها فهو أحق بها ، وعليه أن يدافع عنها إذا اعتدي عليها . أما إذا أخرج منها بغير حق ، فله أن يحارب حتى يعود إليها . ولكن هذا الحق لا بد أن يكون ضمن إطار القيم المثلى ، وليس حقاً مطلقاً .
من هنا فلا يجوز ان يمنع من استوطن أرضاً واستعمرها واتخذها بلداً دائماً له أو ورثها من آبائه الذين استوطنوها ، لا يجوز له أن يمنع عباد الله إذا أرادوا أن ينتفعوا بخيراتها المباحة دون أن يلحقوا ضرراً بمن استوطنها من قبل ، ولا أن يزاحموه فيها . وكذلك إذا هاجر إليها من اضطر إلى الهجرة إليها ، فللمهاجر حق فيها . وإذا استولى على هذه الأرض ( الوطن ) جبار لا يقاوم ، فلا بد من تركها والهجرة إلى حيث يمكن للانسان أن يعبد فيه ربه ، ويعيش آمناً من الظلم والطغيان .
رابعاً : نبذ الحمية الجاهلية
لكي تسمو الحياة البشرية إلى مستوى الكرامة ، وتأصيل إنسانية الإنسان بما يقتضي من احترام حقوق الناس جميعاً وإنصافهم ، بعيداً عن كل تمييز ، لا بد من رفض العصبيات إلا ما كانت في إطار الحق والعدل .
وفي مجتمع تحكمه الحمية الجاهلية ، لا يمكن إقامة العدل وتحكيم شرائع الدين . وقد قال الله سبحانه : ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَانزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) ( الفتح / 26 )
ونستفيد من الآية بصيرة هامة ؛ هي أن الحمية الجاهلية ضد كلمة التقوى ، وإن المؤمن يسكن قلبه بالتقوى فلا يظلم أحداً تعصباً لقومه أو حزبه ، وإنما يقيم القسط ويشهد لله ولو على أقرب الناس إليه رحماً أو صداقة أو نفعاً .
وقد أوضحت أحاديث النبي وأهل بيته عليه وعليهم السلام معنى العصبية ومدى خطورتها . فأما عن معناها فقد ورد عن معمر عن الزهري قال : سأل علي بن الحسين ( الإمام السجاد ) عليه السلام عن العصبية ، فقال : " العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً عن خيار قوم آخرين ، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم " . « 1 »
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين ، ج 5 ، ص 73 .