وهكذا تكون العصبية هي تجاوز العدل في تقييم الناس ، وقد ورد في حديث آخر ؛ إن الحمية مضادة للإنصاف . وواضح إن الإنصاف هو جوهر العدل . استمع إلى الحديث التالي المروي في كتاب الخصال عن سماعة بن مهران قال : كنت عند أبي عبد الله ( الإمام جعفر الصادق ) عليه السلام وعنده جماعة من مواليه ، فجرى ذكر العقل والجهل ، فقال أبو عبد الله ( الإمام جعفر الصادق ) عليه السلام : " اعرفوا العقل والجهل " إلى أن قال عليه السلام : " والانصاف وضده الحمية " . « 1 »
أما عن مدى خطورة العصبية ، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه قال : " من تعصب أو تعصب له ، فقد خلع ربق الايمان من عنقه " . « 2 »
والعصبية ضد الإيمان ، أوليس المؤمن يتبع الحق ؟ بينما العصبية تدعو إلى محورها ؛ حقاً كان أم باطلًا ، وهكذا كانت العصبية في النار . فقد جاء عن أبي عبد الله ( الإمام جعفر الصادق ) عليه السلام قال : " من تعصب عصبه الله بعصابة من نار " . « 3 »
وجاء في حديث آخر عن ( الإمام السجاد ) علي بن الحسين عليهما السلام ، قال : " لم تدخل الجنة حمية ، غير حمية حمزة بن عبد المطلب ، وذلك حين أسلم غضباً للنبي صلى الله عليه وآله في حديث السلا الذي ألقي على النبي صلى الله عليه وآله " . « 4 »
إن حمزة عليه السلام تعصب للحق ، وغضب للنبي حامل راية الحق والعدل ، بينما سائر الحميات هي حميات الجاهلية .
وتتنوع العصبيات ، ولكن حقيقتها واحدة ، هي اتباع الهوى والاسترسال مع العاطفة والحساسية أو مع المصالح والشهوات ، وتجنب التقوى وتجاوز الحق والعدل في التقييم أو في العمل . وهكذا من تعصب لطائفته الدينية أو إنتمائه الحزبي ، أو تعصب لعشيرته وقومه ، أو تعصب لأي وشيجة قريبة منه ، فإن ذلك يدعوه إلى مجانبة الحق في مواقفه ، ومساعدة الظلم وإثارة الفتنة . من هنا قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : " فاطفئوا ما كمن
هامش
( 1 ) نور الثقلين ، ج 5 ، ص 71 .
( 2 ) المصدر ، ص 72 .
( 3 ) المصدر ، ص 72 .
( 4 ) المصدر ، ص 72 .