أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) « 1 »
ثانياً : نبذ التمييز العنصري
يبدو أن أول ما افتخر به الناس بينهم وحاولوا التسلط على بعضهم به ، هو الانتساب إلى أسرة أو عشيرة أو قبيلة أو شعب ، مما سمّاه الكتاب الكريم بالحمية الجاهلية . ولا تزال البشرية تعاني من آثار هذه الحمية التي تعرقل التقدم الحضاري ، الذي ينشده الإنسان في ظل القيم المثلى ، والتي تتلخص في الإيمان والعمل الصالح ( التقوى ) .
والإنسان يتعصب لذاته ثم لأسرته ثم لعشيرته ، وهكذا تتوالى حلقات التعصب ، وكلما ابتعدت عن ذاته ضعفت ، وهي جميعاً حمية جاهلية لأنها لا تستند إلى قيمة مثلي ، بل إلى عصبية فارغة من أي محتوى ، وقد واجهت رسالات الله هذه الحميات بقوة واقتدار .
1 / تمثلت العنصرية في بني إسرائيل ، وتغلفت بالافتراء على الله ، وألبست مسوح الدين كذباً ودجلًا ، حتى قالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ، فقال الله سبحانه لهم : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَآءُ اللّهِ وَأَحِبَّآؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) ( المائدة / 18 )
ويبدو أن هذه النزعة ابتدأت عنصرية ، ثم التمس أصحابها لها عذراً وتبريراً فتكرست في أنفسهم مما جعل تصحيحها مستصعباً .
2 / وشاعت العصبية في العرب ؛ سواءً بين قبائلها ، أو ضد سائر الشعوب التي أسموها بالأعاجم ، كما سموا بذلك البهائم . أوليس العرب لا تفهم رطنة الأعاجم ، كما لا تفهم رغاء البهائم ؟ فقال الله لهم : ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْءَاناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَاتُهُ ءَأَعْجَمِيٍّ وَعَرَبيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ ) ( فصلت / 44 )
لو أن القرآن كان قد أنزل بلغة غير العرب ، لاعتذروا عن كفرهم بأن آياته غير واضحة لهم . فهل يختلف الهدى أن يبين بأية لغة ، أو يختلف الدواء أن يكون في أي وعاء ؟ كلا ؛ إن
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين ، ج 5 ، ص 96 .