تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
إن المعرفة تحمّل الإنسان مسؤولية الاعتراف ، فمن عرف شيئاً ثم لم يعترف به فقد أنكره . والاعتراف بالشيء أو بالشخص يعني الاعتراف بوجوده وحقوقه ، وتنظيم حياة العارف حسب ذلك الوجود وتلك الحقوق . دعنا نضرب مثلًا ؛ لو أنك تعرف أن أمامك شجرة ، فإن هذه المعرفة تجعلك تعترف بوجودها فلا تصطدم بها . كذلك لو عرفت أن أمامك إنساناً ، فإنك تنظم مسيرتك بحيث لا تصطدم به ، وأيضاً تحترمه وتحييه وتستجيب له لو دعاك ، وتغيثه لو استغاث بك . وهكذا المعرفة تحمّل صاحبها المسؤولية . والتعارف معرفة متبادلة ، واعتراف متبادل ، واحترام متبادل ؛ وكل أولئك من حكم خلق الانسان وأهدافه . و - هب أننا اعترفنا ببعضنا واحترمنا بعضنا بعضاً ، ثم ماذا ؟ يقول ربنا سبحانه : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) . هنالك عندما نعترف ببعضنا ونحترم حقوق بعضنا يبدء التنافس على الخيرات ، والتسابق نحو تحقيق التطلعات الحياتية والمعنوية . وعند هذه النقطة تكتمل حكمة الاختلاف والتنوع ، ووجود الشعوب والقبائل . أرأيت لو كان في بلد فريق كرة قدم واحد ، أو يمكن ان تتقدم رياضة لعب الكرة فيه ؟ كذلك لو كانت جامعة واحدة ومصنع للسيارات واحد وتاجر واحد . . إنما بالتعددية والتنافس الإيجابي القائم على أساس اعتراف كل فريق بحق الطرف الآخر في التقدم ضمن الإطار القانوني المرسوم يتقدم الناس جميعاً . 2 / ويقول ربنا في آية كريمة : ( وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ امَّةً وَاحِدَةً وَلكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) ( المائدة / 48 ) 3 / وقال الله سبحانه : ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ( البقرة / 148 ) وإذا كان الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ، وإذا كان كل معدن بحاجة إلى ما يستخرجه ، فإن أداة استخراج معادن الناس التنافس ، والهدف هو تكامل البشر إلى القمم السامقة . وقد روي عن أبي عبد الله محمد بن موسى بن الرازي قال : سمعت أبي يقول : قال الرجل للرضا عليه السلام : والله ما على وجه الأرض أشرف منك أباً . فقال : التقوى شرّفهم ، وطاعة الله أخفضهم . فقال له آخر : أنت والله خير الناس . فقال له : لا تحلف يا هذا ؛ خير مني من كان أتقى الله تعالى ، وأطاع له . والله ما نسخت هذه الآية : ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ