الظروف المحيطة به ، ومقتضيات أهدافه التي يكتشفها بعقله . فتراه - يومئذ - يتحدى الأغلال التي عليه .
أولًا : يتحدى الطبيعة ، لأنها ليست قدراً عليه مقدوراً . فالفقر والضعف والمرض والتخلف والبرد والحرّ والجفاف والسيول والزلازل والعواصف و . . و . . كلّها قابلة للتطويع ومسخرة للإرادة ، لأنها لا تزر وازرته ، وإنما هو وحده يحمل حمله ويزر وازرته . وهذه بداية إنطلاقة كل حضارة .
ومن هنا جاء في الحديث عن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام : " من وجد ماءً وتراباً ثم افتقر فأبعده الله . " « 1 »
وجاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله : " نعم العون على تقوى الله الغنى " . « 2 »
وأيضاً عنه صلى الله عليه وآله : " الفقر سواد الوجه في الدارين " . « 3 »
وقد ذكرتنا الآية الكريمة بكل هذه الأبعاد وزيادة ، حيث قال ربنا سبحانه : ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لَانفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاخِرَةِ لِيَسوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرا ) ( الاسراء / 7 ) فإنها تشمل الحياة الحسنة التي يكتسبها الصالحون باحسانهم ، والحياة السيئة التي تلحق بالفاسدين جزاء إساءتهم .
ثانياً : ولأنه يشعر بالمسؤولية ، فإن قدره لا يكتبه السابقون من آبائه وأسلافه . كلّا ؛ أوليست تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ، فلماذا الاسترسال مع الماضي الذي قد لا يكون خيراً كله ، وقد يكون تغييره ضرورة حياتية . . ؟ ولا يجوز تبرير بقاءه على الفساد بأنه كان من التراث أو من فعل الأولين . فقد روي عن معمر بن خلاد قال : فإنَّ أبا الحسن عليه السلام اشترى داراً وأمر مولى له يتحول إليها ، وقال : إنّ منزلك ضيق ، فقال : أجزأت هذه الدار لأبي . فقال أبو الحسن عليه السلام : إن كان أبوك أحمق ، ينبغي أن تكون مثله ؟ ! « 4 »
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 100 ، ص 65 ، ح 10 .
( 2 ) المصدر ، ج 74 ، ص 153 ، ح 116 .
( 3 ) المصدر ، ج 69 ، ص 30 .
( 4 ) المصدر ، ج 73 ، ص 153 .