9 / وهكذا ينهار نظام التبرير واختراع المعاذير ، إذا عرف الإنسان إن نظام الخليقة قائم على الحق ، وليس على التمني . فبمجرد أن يحلم المجرم بالخلاص من العقاب ، لأنه من قوم معين ( مثل أن يكون من بني إسرائيل ) أو لأنه قدم خدمة معينة ( كبناء مسجد أو سقاية الحاج ) لا يغير من سنة الجزاء شيئاً ، إنما السعي هو قاعدة الجزاء . قال الله سبحانه : ( أَم لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الأَخِرَةُ وَالأُولَى * وَكَم مِن مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى ) ( النجم / 24 - 26 )
في هذه الآيات نعرف أن الحق وليس التمني هو قاعدة الجزاء ، وإن الشفاعة لا تنفع إلّا لمن أذن الله وشاء ورضي .
10 / وقال الله سبحانه : ( وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَآءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) ( النجم / 31 )
وهكذا يذكرنا القرآن أن ملكوت الله سبحانه وتعالى ، التي وسعت السماوات والأرض ، ( ملكوت عدل وحق ) ولذلك فإنه يجزي المسئ بما عمل ، والمحسن بالحسنى .
11 / وقال الله تعالى : ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزَآءَ الأَوْفَى ) ( النجم / 36 - 41 )
وهكذا كانت شرائع الله جميعاً تؤكد على سنة المسؤولية ، التي تعني ألّا تزر وازرة وزر أخرى ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . فالسعي وليس التمني ، والسعي وليست شفاعة أحد من دون الله ، والسعي وليس الظن ، هو قاعدة الجزاء . وهذه هي حقيقة المسؤولية .
12 / والمسؤولية الانسانية لا تخص مساعيه ، وإنما تشمل فكره . فالإنسان مسؤول عن ضلاله أو هداه . فمن اهتدى ( بالبحث عن الحق ثم الايمان به والتسليم له ) فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها . قال الله سبحانه : ( مَّنِ اهْتَدَى فإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) ( الاسراء / 15 )
وقد بيَّنت الأحاديث سنة المسؤولية ، حيث جاء في حديث شريف عن الأعمش ، عن جعفر بن محمد ( الإمام الصادق ) عليه السلام ، قال فيما وصف لي من شرائع الدين : إن الله لا يكلف نفسا إلّا وسعها ، ولا يكلفها فوق طاقتها ، وأفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لاخلق تكوين ، والله
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 29
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩