تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
هذه خلاصة التبرير الذي يقدمه النظام الاقتصادي القائم على أساس الربا اليوم ، ولنا عليه ملاحظات شتى : أولًا : لا يمكن فصل الاقتصاد عن سائر شؤون البشر ، حيث إن الإنسان كل لا يتجزأ ، ونظرتنا إلى الإنسان تؤثر في نظرتنا إلى الاقتصاد . . وأهم ميزة للانسان حياته الاجتماعية ، وإنما قامت الحضارات الشامخة في تاريخه على قاعدة القيم الاجتماعية ، فإذا نزعناها فإن أسس بقاء الإنسان فوق هذا الكوكب يتزعزع ، بل وينهار . واليوم مع تقدم العلم وتنوع وسائل الفتك الجماعي وازدياد وسائل القهر والابتزاز ، تزداد الحاجة إلى الخلق الكريم . والإحسان صفة إنسانية لا يمكن بقاء البشر من دونه . والإحسان يبدء من اهتمام الوالدين بالطفل ، وينتهي إلى إحساس كل فرد بضرورة مساعدة المحتاج . وإذا كنت تملك فائض الثروة ( ويسمى بالعفو في لغة القرآن ) وكان غيرك يحتاجها ، فمن واجبك الإنساني أن تعطيه ؛ سواءً إنفاقاً أو قرضاً . ومن العجب إن الدول الرأسمالية تفرض على رعاياها مبالغ طائلة من الضرائب ، وهي لا تعترف بواجب الإحسان . ثانياً : في مجتمع يحرم الربا تبقى ثروات عائمة كثيرة ، فإما تجد طريقها إلى التجارة أو المضاربة ، أو تختزن لحين الحاجة . فما أجملها أن نقضي بها حاجة الفقراء والمنكوبين ، لماذا لا ؟ وهم نعم الحفظة للثروة ، أوَ ليسوا أفضل من صناديق الحديد ؟ قد يقال إذاً نخاطر بها عندهم ، إذ قد تذهب أدراج الرياح . نقول : بلى ؛ ولكنها لا تذهب عند الله الذي قال سبحانه : ( يَمْحَق الله الرِّبا وَيَرْبي الصَّدَقَات ) . والإنسان إذا دفع لأخيه قرضاً ثم لم يستطع الوفاء به ، يمكنه أن يعتبره زكاة ماله . أوَ ليس الواجب عليه دفع شيء من ماله زكاة ؟ ثم يمكن للمقرض أن يستوثق من المدين قبل دفع الدين له بالرهن أو الضامن أو أي نظام آخر . ثالثاً : لقد استمرت الحضارة الإسلامية قروناً متطاولة ، وقد اتسعت رقعة نفوذها حتى شملت شعوباً كثيرة في أربعة قارات ، وكان اقتصادها خالياً من الربا ، بل ومما يؤدي إلى الربا من الذارئع المختلفة ، وكان اقتصاداً مزدهراً مما دلّ على أن الربا لم يكن ضرورة في البنية الاقتصادية .