تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
ولأن الحياة متغيرة ، ولأن حاجات البشر الاقتصادية متطورة ، فقد يجد الفقهاء العارفون بأصول التشريع الحاجة الماسة إلى سن أنظمة جديدة لإقامة القسط ومنع الاختلاف ؛ مثلًا التوقيع وبصم الأصابع ولصق الصور وحفظ الوثائق وتكثيرها ، وسائر ما يستخدم اليوم للاثبات من أدلة قد تصبح ضرورية في العقود الهامة ، منعاً للتلاعب ونشراً للعدالة . وانما يضع الفقهاء شروطاً جديدة للمعاملات إذا علموا أو شهد الجزاء بضرورتها الأكيدة ، وبأنه لولاها لانتشرت الفوضى ولفسدت الحياة الاجتماعية ، وإلّا فإن زيادة الأنظمة قد تكون سبباً لتعقيد الحياة وزيادة التكاليف ، مما يتنافى والشريعة السمحاء . كما أن على الفقهاء بذل المزيد من الجهد في سبيل استجلاء المصاديق الخفية للعناوين الشرعية وتطبيق العناوين عليها ، ذلك لأن بعض هذه المصاديق يصعب تطبيق التعاريف الفقهية للعقود الشائعة عليها ؛ مثل حق الخلو ، وعقود التأمين ، وبعض المعاملات البنكية . وفيما يلي نبحث بإذن الله فقه الآيات حسب الترتيب الآنف ، على أن نلحق بالبحث بعض القضايا التي لا تدخل في الأطر السابقة ، ونبدأ بالتأمل في آية التجارة عن تراض التي يبدو لي أنها أصل محكم في باب العقود ، ولذلك ترانا نفصل الحديث عنها ثم نتحدث عن آية الوفاء بالعقود .

ألف : التجارة عن تراض

قال الله سبحانه وتعالى : ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) ( النساء / 29 ) ؛ التراضي يختلف عن الرضا المشترك ، فكل واحد منا راضي بأن يكون اليوم جمعة ، ولكن لا يرتبط رضا أحدنا بالآخر في هذا الأمر . بينما التراضي هو إبتناء رضا طرف على رضا الطرف الآخر ، وهو الذي يسميه فقه القانون بالتباني . فلولا رضاي بدفع الثمن ، لا يرضى البائع بدفع البضاعة إليَّ ، وإنما رضي باعطاء البضاعة بناء على رضاي بدفع الثمن إليه . وهذا هو أحد معاني العقد ؛ فانعقاد رضاي برضاه وتباني إرادتي على إرادته ، هو المعنى الشائع لكلمة العقد في الفقه . والذي يختلف عن معنى الايقاع ، وهو الالتزام من طرف واحد ، كابراء ذمة أحد من الدَين الذي عليه ، فقد يتم حتى من دون علمه بذلك . وللتراضي أو العقد أركان نفصل القول فيها بالرغم من وضوحها ، وذلك لكي نرتب عليها جملة أحكام شرعية .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 160 | السيد محمد تقي المدرسي