تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
جميعاً ، ودعاه إلى أن يعبده لا يعبد أحداً سواه حتى ينال كرامته ، ويرتحل غداً إلى دار ضيافته ، ويكون جليسه في مقعد صدق . . إذا كانت هذه هي رؤيته عن نفسه ، فإنه لا يقف عند حد في علو الهمة وسمو الهدف . وهكذا نتدرج هنا في بحث آفاق التطلع عند الإنسان ، وكيف نتجاوز العقبات التي تعترض سبيل تطلع الإنسان وتساميه ؛ تلك العقبات تتجسد في محورية القضايا المادية ، وفي تجاهل جوهر الإنسانية وحقيقتها . . ونعرف أن الأصل هو الإنسان وليس عنصره أو قوميته أو طبقته أو أرضه وأقليمه . ونتحدث بعدئذ عن العلاقة السليمة بين الناس ، والتي تقوم على أساس الرحمة المتبادلة والتعاون البناء ، والتنافس على المكرمات . ونفصل القول في هذه البصائر عبر أربعة فصول وتمهيد ؛ أما التمهيد فإنه يتناول بصيرة التطلع ، وعلوّ الهمة ، حيث نشير تحت هذا العنوان إلى أن من كرامة الله للإنسان أنه سبحانه قد أغرز في وجدانه فطرة التسامي التي تبعثه أبداً إلى الأعلى ، وإنما دست هذه الفطرة في ركام من الوساوس الشيطانية والتي تنفث فيه اليأس والكسل أو تضله عن الطريق السليم الذي لا بد أن يسلكه لتحقيق تطلعاته . أما منهج الوحي فإنه يتدرج مع الإنسان في ثلاث مراحل ؛ ففي المرحلة الأولى تستثير فطرة التطلع فيه ، وفي الثانية تفك الأصر والأغلال التي تصده عن التسامي ، وفي المرحلة الثالثة والأخيرة تعلمه بقائمة الأهداف السامية التي ينبغي له أن يسمو فيها . هذا ما نمهّد به للحديث عن آفاق التطلع عند البشر ، ثم نتحدث عبر فصول في بيان حقائق التطلع . ففي الفصل الأول نتحدث عن الكرامة التي هي من القيم المثلى التي يورثها الإيمان ، وبيّنا فيه معنى الكرامة ، وحقيقتها في حياة البشر جميعاً ، وحقائقها في حياة المؤمنين خاصة . وفي الفصل الثاني ، نتحدث عن تسامي جوهرة الإنسان وتعاليها عن التمايزات والفروق المادية . ذلك أن أصل البشر من آدم ، وآدم من تراب . فلا الثروة ولا القوة ولا العلم والجاه والجمال ولا أية قيمة مادية أخرى تميز الإنسان عن نظيره الإنسان ، أو تجعل إنساناً رباً والآخر عبداً . وإنطلاقاً من هذه البصيرة التي تكرس كرامة البشر وتجعل الانسانية أصلًا ومحوراً وقاعدة ، ينفي الدين الحنيف أي نوع من التمايز بين بني آدم ؛ فلا عنصرية ولا طبقية ، ولا طغيان في القومية ولا علو في الوطنية ، ولا حمية جاهلية من أي مصدر كانت .